كانت تضع التابوت الذي فيه السكينة والبقيّة في مأزق الحرب ، فلا تزال تغلب ؛ حتى عصت ، وظهرت فيهم الأحداث ، وخالف ملوكهم الأنبياء ، واتّبعوا الشّهوات ، وقد كان الله تعالى أقام أمورهم ؛ بأن يكون أنبياؤهم يسدّدون ملوكهم ، فلما فعلوا ما ذكرناه ، سلّط الله عليهم أمما من الكفرة ، فغلبوهم ، وأخذ لهم التابوت في بعض الحروب ، فذلّ أمرهم.
وقال السّدّيّ : كان الغالب لهم «جالوت» ، وهو من العمالقة ، فلما رأوا أنه الاصطلام ، وذهاب الذّكر ، أنف بعضهم وتكلّموا في أمرهم (١) ؛ حتى أجتمع ملأهم على أن قالوا لنبيّ الوقت : (ابْعَثْ لَنا مَلِكاً ...) الآية ، وإنما طلبوا ملكا يقوم بأمر القتال ، وكانت المملكة في سبط من أسباط بني إسرائيل يقال لهم : بنو يهوذا ، فعلم النبيّ بالوحي ، أنه ليس في بيت المملكة من يقوم بأمر الحرب ، ويسّر الله لذلك طالوت ، وقرأ جمهور النّاس : «نقاتل» ؛ بالنون وجزم اللام ؛ على جواب الأمر ، وأراد النبيّ المذكور ـ عليهالسلام ـ أن يتوثّق منهم ، فوقفهم على جهة / التّقرير ، وسبر ما عندهم بقوله : ٦٢ أ(هَلْ عَسَيْتُمْ) ، ومعنى هذه المقالة ، هل أنتم قريب من التولّي والفرار ، إن كتب عليكم القتال.
* ص* : (لِنَبِيٍ) متعلّق ب (قالُوا) ، واللام معناها : التبليغ. انتهى.
ثم أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتال ، تولّوا ، أي : اضطربت نياتهم ، وفترت عزائمهم ، إلا قليلا منهم ، وهذا شأن الأمم المتنعّمة المائلة إلى الدّعة تتمنّى الحرب أوقات السّعة ، فإذا حضرت الحرب ، كعّت ، وعن هذا المعنى نهى النبيّ صلىاللهعليهوسلم ؛ بقوله : «لا تتمنّوا لقاء العدوّ ، واسألوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم ، فاثبتوا» (٢).
ثم توعّد سبحانه الظالمين في لفظ الخبر ؛ بقوله : (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ).
وقوله تعالى : (وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ...) الآية : قال وهب بن منبّه (٣) :
__________________
(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١ / ٣٣٠)
(٢) أخرجه البخاري (٦ / ١٢٠) ، كتاب «الجهاد» ، باب كان النبي صلىاللهعليهوسلم إذا لم يقاتل ، حديث (٢٩٦٦).
ومسلم (٣ / ١٣٦٢ ـ ١٣٦٣) ، كتاب «الجهاد» ، باب كراهة تمني لقاء العدو ، حديث (٢٠ / ١٧٤٢)
(٣) وهب بن منبّه بن كامل ، الأبناوي ، الصّنعاني ، أبو عبد الله الأخباري ، عن ابن عباس ، وجابر ، وأبي سعيد ، وطائفة ، وعنه سماك بن الفضل ، وهمّام بن نافع ، وخلق.
وثقه النسائي ، قال مسلم بن خالد : لبث وهب أربعين سنة لم يرقد على فراشه ، قتله يوسف بن عمر سنة عشر ومائة.
ينظر : «الخلاصة» (٣ / ١٣٨)
![تفسير الثعالبي [ ج ١ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4069_tafsir-alsaalabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
