اليسار والخلف أكثره شيطاني ، وردّ بأنّ الشيطان يأتي من الجهات كلّها كما يستفاد من قوله : (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) (١)
نعم قد يقال : إنّ الشيطان لا يأتي من جهة الفوق والتحت ، أمّا الأوّل فلأنّه لعنه رأى نزول الأنوار على العبد من فوقه فخاف من الاحتراق فلم يتعرّض في إتيانه له ، وأمّا الثاني على خطّ مستقيم مع الفوق ، وأنّ ذلك النور متّصل بالتحت للاستقامة ، ومن هنا وقع النهي عن استقبال القبلة واستدبارها في بعض الأحوال ، لأنّهما على خط واحد ، ولذا خصّ الجهتين بالذكر في قوله : (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) (٢)
وعلى كلّ حال فهذه الموازين وأمثالها مع عدم الإحساس بها غالبا لا اطّراد لها ، والميزان الكلّي المستفاد من الكتاب والسنّة إنّما هو موافقة الشريعة الطاهرة في الأفعال والأقوال والأحوال ، وإنّما يكون ذلك بخلوص النية ، ونقاء السريرة ، والتدرّج في مراتب الايمان ، والتحقّق بمقام اليقين والإحسان ، والمداومة على اقامة الفرائض والسنن ، ومجانبة الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، والاجتهاد في التوجه والإقبال في جميع الأفعال والأعمال كي يصير ساير عاداته من العبادات والتوسل بأنحاء القربات ووظائف الطاعات ، وملازمة قراءة القرآن ، والأدعية وساير الأذكار ، مع التذكر والتدبر وساير الوظائف الشرعية ، والإشتغال بالتفكر في الموت الذي هو حيوة القلوب ، وفي أناء الليل والنهار ، وتذكر قوله تعالى : (وَاذْكُرْ عِبادَنا
__________________
(١) الأعراف : ١٧.
(٢) المائدة : ٦٦.
![تفسير الصراط المستقيم [ ج ١ ] تفسير الصراط المستقيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4045_tafsir-alsirat-almustaqim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
