ونفر كانوا قد أسلموا ثم فتنوا ، فكنا نقول : لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا ، فنزلت الآية ، وكان عمر بن الخطاب كاتبا ، فكتبها بيده ، ثم بعث بها إلى عياش بن أبى ربيعة والوليد ، وإلى أولئك النّفر ، فأسلموا ، وهاجروا (١).
قال علىّ رضي الله عنه : «ما فى القرآن آية أوسع من هذه الآية.» (٢). فما يقنط النّاس ويشدد عليهم بعد هذه الآية إلا جهول ، أو جامد ، قال زيد بن أسلم : إنّ رجلا كان فى الأمم الماضية مجتهدا فى العبادة ، فيشدد على نفسه ، ويقنط الناس من رحمة الله ، فمات ، فقال : أىّ ربّ ؛ مالى عندك؟ فقال : النار. فقال : يا رب ؛ أين عبادتى؟ فقال : إنك كنت تقنط النّاس من رحمتى فى الدنيا ، فاليوم أقنطك من رحمتى. وعن علىّ ـ كرم الله وجهه ـ قال : الفقيه كل الفقيه الذي لا يقنط النّاس من رحمة الله ، ولا يؤمنهم من عذاب الله ، ولا يرخص لهم فى معاصى الله. ه.
ثم حضّ على التوبة لتتحقق المغفرة ، فقال : (وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ) أي : ارجعوا إليه بالتوبة والإخلاص. فالإنابة أخص من التوبة ؛ لأن التوبة : مطلق النّدم على الزلة ، والإنابة : تحقيق التوبة والنّهوض إلى الله بإخلاص التوجه. قال صلىاللهعليهوسلم : «من السعادة أن يطول عمر الرّجل ويرزقه الله الإنابة» (٣). قال القشيري : وقيل الفرق بين الإنابة والتوبة : أن التائب يرجع خوفا من العقوبة ، والمنيب يرجع حياء منه تعالى. ه.
والأمر بالتوبة لا يدل على تقييد المغفرة فى الآية بها ، كما تقدم ؛ إذ ليس المدعى : أن الآية تدل على حصول المغفرة لكل أحد من غير توبة وسبق تعذيب ، حتى يغنى عن الأمر بها ، وإنما المراد : الإخبار بسعة غفرانه ، سواء كان مع التوبة أم لا. قال ابن عرفة : واعلم أن التوبة من الكفر مقطوع بها ، ومن المعاصي ، قيل : مظنونة ، وقيل : مقطوع بها ، هذا فى الجملة ، وأما فى التعيين ، كتوبة زيد بن عمرو ، فلا خلاف أنها مظنونة. ه. قلت : قد اقترن بتوبة زيد من الأخبار ما يقطع بصحتها.
ثم قال : وأما العاصي إذا لم يتب فهو فى المشيئة ، مع تغليب جانب الخوف والعقوبة ، واعتقاد أن العذاب أرجح ، وأما العصيان بالقتل ، ففيه خلاف بين أهل السّنة ، فقيل : يخلد فى النّار ، وقيل : فى المشيئة. ه. وقال أبو الحجاج الضرير ـ رحمهالله :
|
وتوبة الكافر تمحو إثمه |
|
لا خلاف فيه بين الأمّه |
|
وتوبة العاصي على الإرجاء |
|
وقيل كالأول بالسواء |
|
إذ لا يكون دونه فى الحال |
|
وهو عندى أحسن الأقوال |
|
دليله : تتابع الظواهر |
|
شاملة مسلم وكافر. ه. |
__________________
(١) أخرجه الطبري (٢٤ / ١٥) وانظر : أسباب النّزول للواحدى (ص / ٣٨٤).
(٢) أخرجه الطبري (٢٤ / ١٦).
(٣) رواه الحاكم (٤ / ٢٤٠) وصحّحه ، ووافقه الذهبي ، من حديث جابر رضي الله عنه.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
