يقول الحق جل جلاله : (فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ) أي : جنسه (ضُرٌّ) : فقر أو غيره (دَعانا) معرضا عما سوانا. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، من ذكر حالتى أهل الشرك القبيحتين ، وما بينهما اعتراض مؤكد للإنكار عليهم ، أي : إنهم يشمئزّون عن ذكر الله وحده ، ويستبشرون بذكر الآلهة ، فإذا مسهم الضر دعوا من اشمأزوا عن ذكره ، دون من استبشروا بذكره ، فناقضوا فعلهم.
فإن قلت : حق الاعتراض أن يؤكّد المعترض بينه وبينه؟ قلت : ما فى الاعتراض من دعاء الرّسول صلىاللهعليهوسلم ربه ، بأمر من الله ، وقوله : (أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ) ، ثم ما عقّبه من الوعد العظيم ، تأكيد لإنكار اشمئزازهم ، واستبشارهم ، ورجوعهم إلى الله فى الشدائد ، دون آلهتهم ، كأنه قيل : قل : يا ربّ لا يحكم بينى وبين هؤلاء ، الذين يجترئون عليك مثل هذه الجراءة ، إلا أنت ، ثم هدهم بقوله : ولو أن لهؤلاء الظلمة ما فى الأرض جميعا لافتدوا به. انظر النّسفى.
(ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا) : أعطيناه إياها ، تفضلا ؛ فإن التخويل مختص به ، لا يطلق على ما أعطى جزاء ، فإذا أعطيناه ذلك (قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ) أي : ذلك التخويل أو الإنعام (عَلى عِلْمٍ) منى بوجوه كسبه ، كما قال قارون : (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) (١) أو : على علم منى بأنى سأعطاه ، لما فىّ من فضل واستحقاق ، أو : على علم من الله تعالى باستحقاقى لذلك المال ، فتذكير الضمير إما لعوده على التخويل المأخوذ من (خَوَّلْناهُ) ، أو : بتأويل النّعمة بمعنى الإنعام ، أو : المراد بشىء من النّعمة ، أو : يعود على «ما» إذا قلنا : موصولة ، لا كافة ، أي : إن الذي أوتيته على علم منى.
قال تعالى : (بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ) أي : ليس ما خوّلناه نعمة ؛ بل هى محنة وابتلاء له ؛ ليظهر كفره أو شكره. ولما كان الخبر مؤنثا ساغ تأنيث المبتدأ لأجله ، وقرىء : «بل هو فتنة». (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) أنّ الأمر كذلك ، وأنّ التخويل إنما كان فتنة ، وفيه دلالة على أن المراد بالإنسان الجنس.
(قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي : قد قال هذه المقالة ، وهى : (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ) من قبلهم ، كقارون وقومه ، قال قارون : (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) (٢) وقومه راضون بمقالته ، فكأنهم قالوها معه. ويجوز أن يكون فى الأمم الخالية آخرون قائلون مثلها. (فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) من متاع الدنيا ، وما جمعوا منها شيئا حين ينزل بهم العذاب ، (فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا) أي : جزاء سيئات ما كسبوا ، وهو العذاب فى الدنيا والآخرة ، أو : سمّى جزاء السيئة سيئة ؛ للازدواج ، كقوله : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) (٣) أي : فأصابهم وبال
__________________
(١) من الآية ٧٨ من سورة القصص.
(٢) من الآية ٧٨ من سورة القصص.
(٣) من الآية ٤٠ من سورة الشورى.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
