وثانيها : بحيث يقطع عن الظاهر والباطن ، وهو الموت. وثالثها : بحيث يقطع عن ظاهر البدن دون الباطن ، وهو النّوم ، فثبت أن النّوم والموت يشتركان فى كلّ واحد منهما بتوفى النّفس ، ثم يمتاز أحدهما بخواص معينة. ومثل هذا التقدير العجيب لا يمكن صدوره إلا عن القادر العليم الحكيم. ه.
وقال سهل : إن الله إذا توفى الأنفس أخرج الرّوح النّورى من لطيف نفس الطبيعي الكثيفى ، فالذى يتوفى فى النوم من لطيف نفس الطبع ، لا لطيف نفس الرّوح. فالنائم يتنفس تنفسا لطيفا ، وهو نفس الرّوح ، الذي إذا زال لم يكن للعبد حركة ، وكان ميتا. وقال : حياة النّفس الطبيعي بنور لطيف ، وحياة لطيف نفس الرّوح بذكر الله. وقال أيضا : الروح تقوم بلطيفة فى ذاتها بغير نفس الطبع ، ألا ترى أن الله تعالى خاطب الكلّ فى الذر بنفس ، وروح ، وفهم ، وعقل ، وعلم لطيف ، بلا حضور طبع كثيف. ه. قلت : وبهذا الاعتبار يقع لها العذاب فى البرزخ أو النّعيم ، وتذهب وتجىء فى عالم البرزخ.
وقال فى القصد : النفس مع الرّوح كالجسد مع الظل ، والظل يميل ، والأصل لا يميل ، والرّوح سره ، والسر بربه ، وهو شعاع الحقيقة الصغرى ، والسر نور السر الأعلى ، وكلّ هذا مخلوق بقدرة الله موثوق ، فلا يستفزك غير هذا فتشقى ، وفى جهنم من نور البعد تلقى. ه. قلت : السر الأعلى هو معانى أسرار الذات القائمة بالأشياء ، وهو قديم غير مخلوق.
وذكر الثعلبي عن ابن عباس أنه قال : فى ابن آدم نفس وروح ، بينهما مثل شعاع الشمس ، فالنفس هى التي بها العقل والتمييز ، والرّوح التي بها التحرك والنّفس ؛ فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه. ه. هذا ، وفى الصحيح : إن الله قبض أرواحنا حيث شاء ، وردها حيث شاء. فأطلق القبض على الأرواح. والصواب : أن النّفس والرّوح فى هذا واحد ؛ بدليل قوله : (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ) والحاصل : أن الموت : توف كامل ، بإخراج الرّوح مع شعاعها من البدن ، فتذهب الحياة ، والنّوم : توف ناقص ، بإخراج الرّوح مع بقاء شعاعها فى البدن ، به الحياة والتنفّس.
وعن ابن عباس رضي الله عنه أيضا أنه قال : إن أرواح الأحياء والأموات تلتقى فى المنام ، ويتعارف ما شاء الله منها ، فإذا أراد الله رجوعها إلى الأجسام ، يمسك الله عنده أرواح الأموات ، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها ، فذلك قوله عزوجل : (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ) .. الآية (١).
__________________
(١) انظر تفسير النّسفى (٢ / ١٨٣).
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
