سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥))
يقول الحق جل جلاله : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) أي : أخبرونى عن هذه الأشياء التي تعبدونها من دون الله ، هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها ربّ العزة فى الآي السابقة حتى استحقت العبادة ، أم لا؟ واللات وما بعدها : أصنام كانت لهم ، فاللات كانت لثقيف بالطائف ، وقيل : كانت بنخلة تعبدها قريش ، وهى فعلة ، من : لوى ؛ لأنهم كانوا يلوون عليها ويطوفون بها. وقرأ ابن عباس ومجاهد ورويس بتشديد التاء ، على أنه اسم فاعل ، اشتهر به رجلا كان يلتّ السّويق بالزيت ، ويطعمه الحاجّ ، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه (١). (والعزى) كانت لغطفان ، وهى شجرة كانوا يعبدونها ، فبعث رسول الله صلىاللهعليهوسلم خالد بن الوليد فقطعها ، فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها ، واضعة يدها على رأسها ، وهو تولول ، فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها ، فأخبر رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : «تلك العزى ، لن تعبد بعد اليوم أبدا» (٢).
(ومناة) : صخرة على ساحل البحر لهذيل وخزاعة ، وقيل : بيت بالمشلّل يعبده بنو كعب ، وسميت مناة ؛ لأن دماء النّسائك تمنى ، أي : تراق عندها ؛ لأنهم كانوا يذبحون عندها. وقرأ ابن كثير بالهمزة بعد الألف ، مشتق من النوء ؛ لأنهم كانوا يستمطرون بالأنواء عندها ، تبركا بها ، وقيل : سموا هذه الأصنام بأسماء الله ، وأنّثوها ، كأنها بنات الله فى زعمهم الفاسد ، فاللات من «الله» ، كما قالوا : عمر وعمرة ، وعباس وعباسة ، فالتاء للتأنيث. والعزّى : تأنيث العزيز ، ومناة : تأنيث منان ، فغيّر تخفيفا ، ويؤيد هذا قوله تعالى ردا عليهم : (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى). و (الْأُخْرى) : صفة ذمّ لها ، وهى المتأخرة الوضيعة القدر ، كقوله : (قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ) (٣) أي : وضعاؤهم لرؤسائهم ، وقيل : وصفها بالوصفين ؛ لأنهم كانوا يعظّمونها أكثر من اللات والعزى ، والفاء فى قوله : (أفرأيتم) للعطف على محذوف ، وهى لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي : عقب ما سمعتم من كمال عظمته تعالى فى ملكه وملكوته ، وأحكام قدرته ، ونفوذ أمره فى الملأ الأعلى وما تحت الثرى وما بينهما ، رأيتم هذه الأصنام مع حقارتها بنات الله ، مع وأدكم البنات ، وكراهتكم لهنّ؟.
__________________
(١) أخرج البخاري المقطع الأول : «كان اللات رجلا يلت سويق الحاج» فى (التفسير ، سورة النّجم ، باب (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) رقم ٤٨٥٩).
(٢) عزاه المناوى فى الفتح السماوي ٣ / ٩٠٧ لابن مردويه ، من حديث ابن عباس رضي الله عنه.
(٣) من الآية ٣٨ من سورة الأعراف.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
