نهاية ذلك اليوم هو يوم الخلود ، الذي لا انتهاء له ، (لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها) من فنون المطالب ومنتهى الرّغائب (وَلَدَيْنا مَزِيدٌ) هو النّظر إلى وجهه الكريم ، على قدر حضورهم اليوم ، أو : هو ما لا يخطر ببالهم ، ولا يندرج تحت مشيئتهم من الكرامات ، التي لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر. وقيل : إن السحاب تمر بأهل الجنة فتمطر عليهم الحور ، فتقول ، نحن المزيد الذي قال تعالى : (وَلَدَيْنا مَزِيدٌ) قلت : مزيد كلّ واحد على قدر همته وشهوته. والله تعالى أعلم.
الإشارة : يوم يقول لجهنم : هل امتلأت؟ وتقول : هل من مزيد ، كذلك النّفس ، نار شهواتها مشتعلة كلما أعطيتها شيئا من حظوظها طلبت المزيد ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب ، وفى الحديث : «اثنان لا يشبعان ، طالب الدنيا وطالب علم ، طالب الدنيا يزداد من الله بعدا ، وطالب العلم يزداد من الله رضا وقربا» أو كما قال صلىاللهعليهوسلم (١).
واعلم أن الرّوح إذا عشقت شيئا فإن كان من الدنيا يسمى حرصا ، وإن كان فى جانب الحق سمى محبة وشوقا ، وفى الحقيقة ما هى إلا محبة واحدة ، إلا أنها لما تاهت انقلبت محبتها للفروقات الحسية ، وغابت عن المعاني الأزلية ، وكلما زاد فى الحرص نقص من المحبة ، وما نقص من الحرص زاد فى المحبة. ويقال : كلما زادت محبة الحس نقصت المعنى ، وبالعكس ، وإذا اشتعلت نار المحبة فلا تسكن بما يلقى فيها من الأمور الحسية ، كانت حظوظا أو حقوقا ، بل كلما ألقى فيها تقول : هل من مزيد ، حتى يضع الجبار قدمه ، وهو قذف نور معرفته فى القلب ، فحينئذ يحصل الفناء وتقول : قط قط.
ثم أخبر عن حال المؤمنين بقوله : (وأزلفت الجنة للمتقين) أي : قربت جنة المعارف إلى قلوب خواص المتقين ، الذين اتقوا ما سوى الله ، فقربت منهم ، ودخلوها فى الدنيا ، فإذا كان يوم القيامة قربت إليهم الجنة الحسية فى المحشر ، فيركبون فى قصورها وغرفها ، وتطير بهم إلى الجنة ، فلا يحسون بالصراط ولا بالنار ، وفيهم قال تعالى : (لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها) الآية (٢). والنّاس على ثلاثة أصناف ؛ قوم يحشرون إلى الجنة مشاة ، وهم الذين قال الله فيهم : (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً) (٣) وهم عوام المؤمنين ، وقوم يحشرون إلى الجنة ركبانا
__________________
(١) أخرجه الدارمي فى (المقدمة ، باب فى فضل العلم والعالم ، ح ٣٣٢) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. ولفظه : «منهومان لا يشبعان : صاحب العلم وصاحب الدنيا ، ولا يستويان ، أما صاحب العلم فيزداد رضي الرّحمن ، وأما صاحب الدنيا ، فيتمادى فى الطغيان ، ثم قرأ عبد الله. (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) قال : وقال الآخر : (إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ). وسند الحديث فيه انقطاع. انظر المشكاة (١ / ٨٧).
(٢) الآية ١٠٢ من سورة الأنبياء.
(٣) الآية ٧٣ من سورة الزمر.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
