ودون العمائر : البطون ، واحدها : بطن ، وهى كبنى غالب ولؤى من قريش ، ودون البطون : الأفخاذ ، واحدها : فخذ ، كهاشم وأمية من بنى لؤى ، ثم الفصائل والعشائر ، واحدها : فصيلة وعشيرة ، فالشعب تجمع القبائل ، والقبيلة تجمع العمائر ، والعمارة تجمع البطون ، والبطن يجمع الأفخاذ ، والفخذ يجمع الفصائل (١). وقيل : الشعوب من العجم ، والقبائل من العرب ، والأسباط من بنى إسرائيل. (لِتَعارَفُوا) أي : إنما جعلناكم كذلك ليعرف بعضكم نسب بعض ، فلا يتعدى إلى غير آبائه ، لا لتتفاخروا بالأجداد والأنساب.
ثم ذكر الخصلة التي يفضل بها الإنسان ، ويكتسب الشرف والكرم عند الله ، فقال : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) أي : لا أنسبكم ، فإنّ مدار كمال النّفوس وتفاوت الأشخاص هو التقوى ، فمن رام نيل الدرجات العلا فعليه بالتقوى ، قال صلىاللهعليهوسلم : «من سره أن يكون أكرم النّاس فليتق الله» (٢) وروى أنه صلىاللهعليهوسلم طاف يوم فتح مكة ، ثم حمد الله ، وأثنى عليه ، وقال : «الحمد لله الذي أذهب [عبيّة] (٣) الجاهلية وتكبّرها ؛ يا أيها النّاس ؛ إنما النّاس رجلان ؛ رجل مؤمن تقىّ كريم على الله ، ورجل فاجر شقى هيّن على الله» ثم قرأ الآية (٤).
وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما : كرم الدنيا الغنى ، وكرم الآخرة التقى. وقال قتادة : أكرم الكرم التقى ، وألأم اللؤم الفجور ، وسئل عليهالسلام عن خير النّاس؟ فقال : «آمركم بالمعروف ، وأنهاكم عن المنكر ، وأوصلكم للرحم» وقال عمر رضي الله عنه : «كرم الرّجل : دينه وتقواه ، وأصله : عقله ، ومروءته : خلقه ، وحسبه : ماله» (٥).
وعن يزيد بن شجرة : مرّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم فى سوق المدينة ، فرأى غلاما أسود ، قائما ينادى عليه ؛ من يزيد فى ثمنه ، وكان الغلام يقول : من اشترانى فعلى شرط ألّا يمنعنى من الصلوات الخمس خلف رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فاشتراه
__________________
(١) وقد نظمها بعض الأدباء ، فقال :
|
اقصد الشعب فهو أكثر حى |
|
عددا فى الحواء ثم القبيلة |
|
ثم تتلوها العمارة ثم ال |
|
بطن والفخذ بعدها والفصيلة |
|
ثم من بعدها العشيرة لكن |
|
هى فى جنب ما ذكرناه قليله |
(٢) أخرجه الحاكم (٤ / ٢٧٠) والطبراني فى الكبير (١٠ / ٣٨٩) وأبو نعيم فى الحلية (٣ / ٢١٨) عن ابن عباس رضي الله عنه.
(٣) فى الأصول [غيبة] أما عن معناها ، فقال ابن الأثير : يعنى الكبر ، وتضم عينها وتكسر ، وهى فعّولة أو فعّيلة ، فإن كانت «فعّولة» فهى من التّعبية ، لأن المتكبر ذو تكلف وتعبية ، خلاف من يسترسل على سجيته ، وإن كانت «فعّلية» فهى من عباب الماء ، وهو أوله وارتفاعه. انظر النّهاية (عبب ٣ / ١٦٩) ..
(٤) أخرجه بطوله الترمذي فى (التفسير ؛ سورة الحجرات ، ح ٣٢٧٠) ، والبغوي فى تفسيره (٧ / ٣٤٨) وفى شرح السنة (١٣ / ١٢٤) من حديث ابن عمر رضي الله عنه.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة (٨ / ٥٢٠) والبيهقي فى السنن (١٩٥ / ١٠) من قول سيدنا عمر ، موقوفا ، بلفظ «حسب الرّجل دينه ، ومروءته خلقه ، وأصله عقله ، وأخرج الإمام مالك فى الموطأ (ص ٤٦٣) عن سيدنا عمر موقوفا : «الكرم التقوى ، والحسب والمال ...» ، وأخرج أحمد (٢ / ٣٦٥) والحاكم (١ / ١٢٣) والبيهقي فى السنن (٧ / ١٣٦) وابن حبان (إحسان ـ ٤٨٣) والقضاعي فى مسند الشهاب (١٩٠) عن أبى هريرة ، مرفوعا : «كرم المرء دينه ، ومروءته عقله ، وحسبه خلقه» قال الحاكم : «صحيح على شرط مسلم».
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
