النفس بالسياسة شيئا فشيئا ، ينقص من حظوظها شيئا فشيئا ، حتى تتزكى وتعالج الرّوح لدخول الحضرة ، وعكوف الهم فى الذكر شيئا فشيئا ، حتى تدخل الحضرة وهى لا تشعر ، ثم تشعر ويقع الاستغراق. وأما إن قطعت النّفس عن جميع مألوفاتها مرة واحدة ، أو كلفت الرّوح الحضور فى الذكر على الدوام مرة واحدة ، أفسدتهما ، لقوله : صلىاللهعليهوسلم : «ادخلوا فى هذا الدين برفق ، فما شاد أحدكم الدين إلا غلبه» (١) وقال أيضا : «لا يكن أحدكم كالمنبت ، لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» (٢) ؛ فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى ، بأن تردع النّفس إن طغت ، وتأخذ لجام الروح إن هاجت ، حتى تفيء إلى أمر الله ، وهو الاعتدال ، فيعطى كلّ ذى حق حقه ، ويوفى كلّ ذى قسط قسطه.
وقوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) قال الورتجبي : افهم أيها العاقل أن الله سبحانه خلق الأرواح المقدسة من عالم الملكوت ، وألبسها أنوار الجبروت ؛ فمواردها من قربه مختلفة ، لكن عينها واحدة ، وخلق هياكلها وأشباحها من تربة الأرض التي أخلصها من جملتها ، وزيّنها بنور قدرته ، ونفخ فيها تلك الأرواح ، [وجعل من الأرواح والأجسام النفوس] (٣) الأمّارة التي ليست من قبيل الأرواح ، ولا من قبيل الأجسام ، وجعلها مخالفة للأرواح ومساكنها ، فأرسل الله عليها جند العقول ، يدفع بها شرّها ، فإذا امتحن الله عباده المؤمنين هيّج نفوسهم الأمّارة ؛ ليظهر حقائق درجاتهم من الإيمان ، فأمرهم أن يعينوا العقل والرّوح والقلب على النّفس حتى تنهزم ؛ لأن المؤمنين كالبنيان يشد بعضهم بعضا.
ثم بيّن أنّ فى الإصلاح بين الإخوان الفلاح والنّجاة ، إذا كان مقرونا بالتقوى التي تقدس البواطن من البغي والحسد بقوله : (واتقوا الله لعلكم ترحمون) فإذا فهمت ما ذكرت علمت أنّ حقيقة الأخوة مصدر الاتحاد ، فإنهم كنفس واحدة ؛ لأن مصادرهم مصدر واحد ، [وهو] (٤) آدم ، ومصدر روح آدم نور الملكوت ، ومصدر جسمه تربة الجنة فى بعض الأقوال. لذلك يصعد الرّوح إلى الملكوت ، والجسم إلى الجنة ، كما قال صلىاللهعليهوسلم : «كل شىء يرجع إلى أصل (٥)». ه. قلت : صعود الرّوح إلى الملكوت هو شهود معانى الأسرار فى دار الجنة ، ونزول الجسم إلى الجنة هو تمتعه بنعيم حسها فى عالم الأشباح ، وكلّ ذلك بعد الموت ، وأحسن العبارة أن يقال : لأن مصادرهم مصدر واحد ، وهو بحر الجبروت ، المتدفق بأنوار الملكوت ، والوجود بأسره موجة من بحر الجبروت.
__________________
(١) يريد الشيخ حديث : «إن الدين يسر ، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه ...» الحديث أخرجه البخاري فى (الإيمان ، باب الدين يسر ، ح ٣٩) من حديث أبى هريرة رضي الله عنه.
(٢) سبق تخريج الحديث عند تفسير الآية ٢٣ من سورة الجاثية
(٣) عبارة الورتجبي : [وجعل بين الأرواح والأجسام والنّفوس].
(٤) فى الأصول : [بنوا] والمثبت من الورتجبي.
(٥) على هامش النّسخة الأم مايلى : لعله يريد : «كل ميسر لما خلق له» أما بهذا اللفظ فلا نراه وارد. والله أعلم. ه.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
