ثم قال الورتجبي : قال أبو بكر النّقاش : سألت الجنيد عن الأخ الحقيقي؟ فقال : هو أنت فى الحقيقة ، غير أنه غيرك فى الهيكل. قلت : يعنى أن النّاس فى الحقيقة ذات واحدة ، وما افترقوا إلا فى الهياكل ، فكلهم أخوة. وقال أبو عثمان الحيرى : أخوة الدين أثبت من أخوة النّسب ، فإن أخوة النّسب تقطع بمخالفة الدين ، وأخوة الدين لا تقطع بمخالفة النّسب. ه. وتقدم لنا شروط الأخوة فى قوله تعالى : (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ ...) الآية (١).
وقال القشيري هنا : ومن حق الأخوة ألا تلجأه إلى الاعتذار ، بل تبسط عذره ، أي : تذكر عذره قبل أن يعتذر ، فإن أشكل عليك وجهه عدت بالملامة على نفسك فى خفاء عذره عليك ، وتتوب عليه إذا أذنب ، وتعوده إذا مرض ، وإذا أشار عليك بشىء فلا تطالبه بالدليل وإيراد الحجة ، كما أنشدوا :
|
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم |
|
لأيّة حرب أم لأىّ مكان (٢). ه. |
ومن أوكد شروطها (٣) : التعظيم ، كما أبان ذلك بقوله تعالى :
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١))
يقول الحق جل جلاله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) أي : عسى أن يكون المسخور منهم خيرا عند الله ـ تعالى ـ من الساخرين ؛ لأن النّاس لا يطّلعون إلا على الظواهر ، وهو تعليل للنهى ، والقوم خاص بالرجال ؛ لأنهم القوامون على النّساء ، وهو فى الأصل : جمع قائم ، كصوم وزور ، فى جمع صائم وزائر ، واختصاص القوم بالرجال صريح فى الآية ؛ إذ لو كانت النّساء داخلة فى الرّجال ، لم يقل : (وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ) ، وحقق ذلك زهير فى قوله :
|
وما أدرى وسوف إخال أدرى |
|
أقوم آل حصن أم نساء؟ (٤) |
وأمّا قولهم فى قوم فرعون ، وقوم عاد : هم الذكور والإناث ، فليس لفظ القوم شاملا لهم ، ولكن قصد ذكر الذكور ، والإناث تبع لهم.
__________________
(١) الآية ٦٧ من سورة الزخرف.
(٢) البيت ينسب إلى وداك بن ثميل المازني. كما فى العقد الفريد (٥ / ٢٠٢) ، ونهاية الأرب (٣ / ٢٢٩).
(٣) أي : الأخوة.
(٤) حيث أراد بالقوم الرّجال دون النّساء. والبيت من الوافر. انظر ديوان زهير (١٢) والمغني (١ / ٤١).
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
