المدينة أقام بها بقية ذى الحجة ، ثم غزا فى أول السابعة خيبر ، ففتحها ، وغنم أموالا كثيرة ، فخصصها بأهل الحديبية ، بأمره تعالى ، (قُلْ) لهم إقناطا لهم : (لَنْ تَتَّبِعُونا) إلى خيبر ، وهو نفى بمعنى النّهى ، للمبالغة ، أي : لا تتبعونا ، أو : نفى محض ، إخبار من الله تعالى بعدم اتباعهم وألا يبدّل القول لديه.
(كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ) أي : من قبل انصرافهم إلى الغنيمة ، وأنّ غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية فقط ، (فَسَيَقُولُونَ) للمؤمنين عند سماع هذا النّهى : (بَلْ تَحْسُدُونَنا) أي : ليس ذلك النّهى من عند الله ، بل تحسدوننا أن نشارككم فى الغنائم ، (بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ) كلام الله (إِلَّا قَلِيلاً) ؛ شيئا قليلا ، يعنى : مجرد اللفظ ، أو : لا يفهمون إلا فهما قليلا ؛ وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون الدين ، وهو ردّ لقولهم الباطل ، ووصف لهم بسوء الفهم والجهل المفرط. والفرق بين الإضرابين : أن الأول ردّ أنّ يكون حكم الله ألا يتبعوهم وإثبات الحسد ، والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أعظم منه ، وهو الجهل وقلة الفقه.
(قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ) وهم الذين تخلفوا عن الحديبية : (سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) يعنى : بنى حنيفة ، قوم مسليمة الكذاب ، وأهل الرّدة الذين حاربهم أبو بكر رضي الله عنه ، لأن المشركين وأهل الرّدة هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. واستدل بالآية على حقيّة خلافة أبى بكر ، وأخذها من القرآن بقوله : (سَتُدْعَوْنَ) فكان الداعي لهؤلاء الأعراب إلى قتال بنى حنيفة ، وكانوا أولى بأس شديد ، هو أبو بكر ، بلا خلاف ، قاتلوهم ليسلموا لا ليعطوا الجزية بأمر الصدّيق. وقيل : هم فارس ، والداعي لقتالهم «عمر» ، فدلت على صحة إمامته ، وهو يدل على صحة إمامة أبى بكر. (تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) أي : يكون أحد الأمرين ، إما المقاتلة أو الإسلام ، ومعنى «يسلمون» على هذا التأويل : ينقادون ؛ لأن فارس مجوس ، تقبل منهم الجزية ، (فَإِنْ تُطِيعُوا) من دعاكم إلى قتالهم (يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً) هو الغنيمة فى الدنيا ، والجنة فى الآخرة ، (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا) عن الدعوة ، كما توليتم من قبل فى الحديبية ، (يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً) لتضاعف جرمكم. وقد تضمنت الآية إيجاب طاعة الأمراء بالوعد بالثواب عليها ، والوعيد بالعقاب على التولي ، وقد تقدم فى النّساء (١).
الإشارة : سيقول المخلفون عن السير بترك مجاهدة النّفوس ، التي بها يتحقق سير السائرين : ذرونا نتبعكم فى السير إلى الله من غير مجاهدة ولا تجريد ، يريدون أن يبدلوا كلام الله ، وهو قوله : (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) (٢) ، فخص الهداية إلى الوصول بالمجاهدة ، لا بالبقاء مع حظوظ النّفوس ، قل : لن تتبعونا فى
__________________
(١) راجع تفسير الآية ٥٩ من سورة النّساء ، (١ / ٥١٩).
(٢) الآية ٦٩ من سورة العنكبوت.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
