ما امتدت إليه أعناق الهمم من جلب نفع ودفع ضر. و «عند الله» : حال من «فوزا عظيما» لأنه صفته فى الأصل ، فلما قدّم عليه صار حالا ، أي : كائنا عند الله فى علمه وقضائه. والجملة : اعتراض مقرّر لما قبله.
(وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ) لما أغاظهم من ذلك وكرهوه ، وهو عطف على «يدخل» ، وفى تقديم المنافقين على المشركين ما لا يخفى من الدلالة على أنهم أحق منهم بالعذاب. (الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ) أي : ظن الأمر السّوء ، وهو ألا ينصر الله رسوله والمؤمنين ، ولا يرجعهم إلى مكة ، فالسّوء عبارة عن رداءة الشيء وفساده ، يقال : فعل سوء ، أي : مسخوط فاسد. (عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ) أي : ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين ، وهو دائر عليهم وحائق بهم. وفيه لغتان : فتح السين وضمها ، كالكره والكره ، والضّعف والضّعف ، غير أن المفتوح غلب عليه أن يضاف إليه ما يراد ذمّه من كلّ شىء ، وأما السوء فجار مجرى الشيء الذي هو نقيض الخير ، أي : الدائرة التي يذمونها ويسخطونها دائرة عليهم ، ولا حقة بهم ، (وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً) لهم ، وهو عطف لما استوجبوه فى الآخرة على ما استوجبوه فى الدنيا ، وعطف «ولعنهم» وما بعده بالواو ، مع أن حقهما الفاء المفيدة للسببية ؛ إيذانا باستقلال كلّ واحد منهما بالوعيد ، وأصالته ، من غير اعتبار استتباع بعضها لبعض.
(وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ، إعادة لما سبق ، وفائدتها : التنبيه على أن لله جنود الرّحمة وجنود العذاب ، كما ينبئ عنه التعرض لوصف العزة فى قوله : (وَكانَ اللهُ عَزِيزاً) أي : غالبا ، فلا يردّ بأسه (حَكِيماً) فلا يعترض صنعه. والله تعالى أعلم.
الإشارة : هو الذي أنزل السكينة فى قلوب المتوجهين ، حتى سكنوا لصدمات تجلى الجلال ، وأنوار الجمال ، وسكنوا تحت مجارى الأقدار ، كيفما برزت ، بمرارة أو حلاوة. قال القشيري : والسكينة : ما يسكن إليه القلب من أنوار الإيمان والإيقان ، أو العرفان بمشاهدة العيان ، بل الاستغراق فى بحر العين بلا أين. ه. (١) ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ، فيترقوا من مقام الإسلام إلى مقام الإيمان ، ومن مقام الإيمان إلى مقام الإحسان ، أو من علم اليقين إلى عين اليقين ، ومن عين اليقين إلى حق اليقين ، أو من المراقبة إلى المشاهدة ، أو من رؤية الأسباب إلى مسبب الأسباب.
(وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وهى الجنود التي يمد الله بها الرّوح فى محاربتها للنفس ، حتى تغلبها وتستولى عليها ، وهى اليقين ، والعلم ، والذكر ، والفكر ، والواردات الإلهية ، التي تأتى من حضرة القهار ، فتدمغ
__________________
(١) لم أقف على النّص فى مظانه فى تفسير القشيري.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
