عن الحوض (١). وفيه إشعار باقتضاء الحكمة توجيه الذكر إليهم ، وملازمته لهم ، كأنه يتهافت عليهم ثم يضربه عنهم. والفاء : للعطف على محذوف ، أي : أنهملكم فنضرب عنكم الذكر (صَفْحاً) أي : إعراضا ، مصدر ، من : صفح عنه : إذا أعرض ، منصوب على أنه مفعول له ، على معنى : أفنعزل عنكم إنزال القرآن ، وإلزام الحجة به إعراضا عنكم. ويجوز أن يكون مصدرا مؤكدا لما دلّ عليه «نضرب» ؛ لأنه فى معنى الصفح ، كأنه قيل : أفنفصح صفحا (أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ) ، أي : لأن كنتم منهمكين فى الإسراف ، مصرّين عليه ؛ لأن حالكم اقتضى تخيلتكم وشأنكم ، حتى تموتوا على الكفر والضلالة ، فتبقوا فى العذاب الخالد ، لكن بسعة رحمتنا لا نفعل ذلك ، بل نهديكم إلى الحق ، بإرسال الرّسول الأمين ، وإنزال الكتاب المبين.
ومن قرأ بالكسر (٢) فشرط حذف جوابه ؛ لدلالة ما قبله عليه ، وهو من الشرط الذي يصدر عن الجازم بصحة الأمر ، كما يقول الأجير : إن كنت عملت لك فوفّنى حقى ، وهو عالم بذلك. وعبّر ب «أن» ؛ إخراجا للمحقق مخرج المشكوك ؛ لاستهجالهم (٣) ، كأن الإسراف من حقه ألا يقع.
الإشارة : (حم) أي : حببناك ، ومجدناك ، وملكناك ، وحق الكتاب المبين. ثم استأنف فقال : (إنا جعلناه) أي : ما شرفناك به أنت وقومك (قرآنا عربيا) يفهمه من يسمعه (لعلكم تعقلون) عن الله ، فتشكروا نعمه. (وإنه فى أمّ الكتاب) أي : وإن الذي شرفناكم به فى أمّ الكتاب. قال الورتجبي : أي : إنه صفتى ، كان فى ذاته (٤) منزها عن النقائص والافتراق ـ أي : منزها عن الحروف والأصوات ، التي من شأنها التغير ، وعن التقديم والتأخير ، وهو افتراق كلماته. إذ هما من صفات الحدث. وأم الكتاب عبارة عن [ذاته القديم ، لأنها] (٥) أصل جميع الصفات ، (لدينا) معناه : ما ذكرنا أنه فى أمّ الكتاب عندنا (لعلىّ) علا عن أن يدركه أحد بالحقيقة ، ممتنع من انتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، (حكيم) محكم مبين. وقال جعفر : علىّ عن درك العباد وتوهمهم ، حكيم فيما دبّر وأنشأ وقدّر. ه. فانظره ، فإنّ هذه من صفات الحق ، والكلام فى أوصاف القرآن.
وقوله تعالى : (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً ...) الآية ، قال القشيري : وفى هذه إشارة لطيفة ، وهو : ألا يقطع الكلام عمّن تمادى فى عصيانه ، وأسرف فى أكثر شأنه ، [فأحرى] (٦) أن من لم يقصّر فى إيمانه ، أو تلطّخ
__________________
(١) الغرائب : جمع غريبة ، وهى الإبل الغريبة عن إبل صاحب الحوض.
(٢) قرأ نافع ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو جعفر «إن كنتم» بكسر الهمزة ، على أنها شرطية. وقرأ الباقون بالفتح على العلة. انظر الإتحاف (٢ / ٤٥٣).
(٣) فى الأصول (لاستهجانهم) والمثبت من تفسير أبى السعود.
(٤) فى الورتجبي [ذاتى].
(٥) فى الورتجبي : [ذات القدم لأنه].
(٦) فى الأصول [أرجو].
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
