والذي عليه جمهور المحققين أن نبينا عليه الصلاة والسّلام رأى ربه ليلة المعراج ، وكلّمه مشافهة ، وعليه حمل البيضاوي قوله تعالى : (إِلَّا وَحْياً) ؛ لأن الوحى هو : الكلام الخفي ، المدرك بسرعة ، أعم من أن يكون مشافهة أو غيرها.
قال الطيبي : وإذا حمل الوحى على ما قاله البيضاوي ، وأنه المشافهة ، المعنى بقوله : (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى) (١) اتجه ترتيب الآية ، وأنه ذكر أولا الكلام بلا واسطة ، بل مشافهة ، وهو حال نبينا صلىاللهعليهوسلم ، ثم ذكر ما كان بغير واسطة ، ولكن لا بمشافهة ، بل من وراء الغيب ، ثم ذكر الكلام بواسطة الإرسال (٢). ه. بالمعنى.
(إِنَّهُ عَلِيٌ) ؛ متعال عن صفات المخلوقين ، لا يتأتى جريان المفاوضة بينه تعالى وبينهم إلا بأحد الوجوه المذكورة ، ولا تكون المكافحة إلا بالغيبة عن حس البشرية ، (حَكِيمٌ) يجرى أفعاله على سنن الحكمة ، فيكلم تارة بواسطة ، وأخرى بدونها ، مكافحة ، أو غيرها.
(وَكَذلِكَ) أي : ومثل ذلك الإيحاء البديع ـ كما وصفنا (أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) وهو القرآن ، الذي هو للقلوب بمنزلة الرّوح للأبدان ، فحييت الحياة الأبدية. (ما كُنْتَ تَدْرِي) قبل الوحى (مَا الْكِتابُ) أىّ شىء هو ، (وَلَا الْإِيمانُ) بما فى تضاعيف الكتاب من الأمور التي لا تهتدى إليها العقول ، لا الإيمان بما يستقل به العقل والنّظر ، فإنّ درايته صلىاللهعليهوسلم مما لا ريب فيه قطعا. قال القشيري : ما كنت تدرى قبل هذا ما القرآن ولا الإيمان بتفصيل هذه الشرائع. وقال الشيخ البكري : أي الإيمان على الوجه الأخص ، المرتب على تنزلات الآيات ، وتلاوة البينات ، واستكشاف وجه الحق بأنوار العلم المنزل على قلبه من حضرة ربه. ه.
وقال ابن المنير : الإيمان برسالة نفسه ، وهو المنفي عنه قبل الوحى ؛ لأن حقيقة الإيمان ؛ التصديق بالله وبرسوله. ه.
(وَلكِنْ جَعَلْناهُ) أي : الروح الذي أوحيناه إليك (نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ) هدايته (مِنْ عِبادِنا) ، وهو الذي يصرف اختياره نحو الاهتداء به. (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي) بذلك النّور من نشاء هدايته ، أو : وإنك لتدعو (إِلى
__________________
(١) الآية : ١٠ من سورة النّجم.
(٢) على هامش النّسخة الأساسية مايلى :
وعلى كلام البيضاوى يختل نظام القرآن المعجز ببلاغته ، إذ معناه : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا كلاما مواجهة أو من وراء حجاب .. إلخ ، وهذا غير معقول صدوره من بلغاء البشر ، فضلا عن كلام الله ، فأعجب للطيبى وللمؤلف ، ولكلّ من أمره على هذا المعنى المختل. ه.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
