أبى بكر ، فقوله : (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وإنما جعلنا هذه صفات أبى بكر ، وإن كان جميعهم متصفا بها ، لأن أبا بكر كانت له مزية فيها لم تكن لغيره ، قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان الأمة لرجح» (١) وقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أنا مدينة الإيمان ، وأبو بكر بابها». وقال أبو بكر : «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا». والتوكّل إنما يقوى بقوة الإيمان.
وأما صفات عمر : فقوله (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ) ؛ لأن ذلك هو التقوى ، وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أنا مدينة التقوى وعمر بابها» وقوله : (وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) ، وقوله : (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ) نزلت فى عمر. وأما صفات عثمان ؛ فقوله : (وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ) ؛ لأن عثمان لمّا دعاه رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى الإسلام بادر إليه ، وقوله : (وَأَقامُوا الصَّلاةَ) ؛ لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل ، وفيه نزلت : (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ...) الآية. (٢) وروى أنه كان يحيى الليل بركعة ، يقرأ فيها القرآن كله. وقوله : (وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ) ؛ لأن عثمان ولى الخلافة بالشورى ، وقوله : (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) ؛ لأن عثمان كان كثير النّفقة فى سبيل الله ، ويكفيك أنه جهز جيش العسرة.
وأما صفات علىّ ؛ فقوله : (وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) ؛ لأنه لمّا قاتلته الفئة الباغية قاتلها ، انتصارا للحق ، وانظر كيف سمى رسول الله صلىاللهعليهوسلم المقاتلين لعلىّ الفئة الباغية ، حسبما ورد فى الحديث الصحيح ، أنه قال لعمّار : «ويح عمّار ، تقتله الفئة الباغية» (٣) وذلك هو البغي الذي أصابه. وقوله : (فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) إشارة إلى فعل الحسن بن علىّ ، حين بايع معاوية ، وأسقط حق نفسه ، ليصلح أحوال المسلمين ، ويحقن دماءهم. قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم فى الحسن : «إنّ ابني هذا سيّد ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٤). وقوله : (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت
__________________
(١) أخرجه البيهقي فى الشعب (ح ٣٦) وابن أبى شيبة فى الإيمان (١٠٨) عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقوفا.
وقال فى كشف الخفاء (٢ / ٢٣٤) : (أخرجه ابن عدى والديلمي ، كلاهما عن ابن عمر ، مرفوعا ، بلفظ : «لو وضع إيمان أبى بكر على إيمان هذه الأمة لرجح بها». وفى سنده «عيسى بن عبد الله» ضعيف ، لكن يقويه ما أخرجه ابن عدى أيضا من طريق أخرى بلفظ : «لوزن إيمان أبى بكر بإيمان أهل الأرض لرجحهم» وله شاهد أيضا فى السنن عن أبى بكرة ، مرفوعا : أن رجلا قال : رأيت يا رسول الله! كأنّ ميزانا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر ، فرجحت أنت ، ثم وزن أبو بكر بمن بقي فرجح ..» الحديث.
قلت : حديث أبى بكرة ، أخرجه أبو داود فى (السنة ، باب فى الخلفاء ، ح ٤٦٣٤) والترمذي فى (الرؤيا ، باب ما جاء فى رؤيا النبي صلىاللهعليهوسلم الميزان والدلو ، ح ٢٢٨٧) وقال : «حسن صحيح» وعندهما : «ووزن عمر وأبو بكر ، فرجح أبو بكر ...».
(٢) الآية ٩ من سورة الزمر.
(٣) أخرج البخاري فى (الصلاة ، باب التعاون فى بناء المسجد ، ح ٤٤٧) عن أبى سعيد ، قال ـ وهو يحدث عن بناء المسجد ـ : كنا نحمل لبنة لبنة ، وعمار لبنتين لبنتين ، فرآه النّبى صلىاللهعليهوسلم ، فينفض التراب عنه ، ويقول : «ويح عمار ، تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النّار» قال : يقول عمار : أعوذ بالله من الفتن.
(٤) أخرجه البخاري فى (الصلح ، باب قول النّبى صلىاللهعليهوسلم للحسن بن علىّ رضي الله عنهما : إن هذا سيد ، ح ٢٧٠٤) من حديث أبى بكرة رضي الله عنه.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
