(وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨))
يقول الحق جل جلاله : (وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ) أي : لو أغناهم جميعا (لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) أي : لتكبروا وأفسدوا فيها ، بطرا ، ولعلا بعضهم على بعض بالاستعلاء والاستيلاء ، لأن الغنى مبطرة مفسدة ، وكفى بحال قارون وفرعون عبرة. وأصل البغي : تجاوز الاقتصاد [عما يجزى] (١) من حيث الكمية أو الكيفية. (وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ) أي : بتقدير (ما يَشاءُ) أن ينزله ، مما تقضيه مشيئته. يقال : قدره وقدّره قدرا وتقديرا (إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) ؛ محيط بخفايا أمورهم وجلاياها ، فيقدر لكلّ واحد منهم ما يليق بشأنه ، فيفقر ويغنى ، ويعطى ويمنع ، ويقبض ويبسط ، حسبما تقتضيه الحكمة الرّبانية ، ولو أغناهم جميعا لبغوا فى الأرض ، ولو أفقرهم لهلكوا ، وما ترى من البسط على من يبغى ، ومن البغي بدون البسط ، فهو قليل ، ولكن البغي مع الفقر أقلّ ، ومع البسط أكثر وأغلب ، فالحكمة لا تنافى بغى البعض بدفعه بالبعض الآخر ، بخلاف بغى الجميع. (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ ...) (٢) الآية.
وقال شقيق بن إبراهيم : (لَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ) أي : لو رزق الله العباد من غير كسب (لَبَغَوْا) ؛ طغوا وسعوا فى الأرض بالفساد ، ولكن شغلهم بالكسب والمعاش ، رحمة منه. ه. أي : لئلا يتفرغوا للفساد ، ومثله فى التنوير. وقال شيخ شيوخنا الفاسى العارف : والظاهر حمل العباد على الخصوص المصطفين من المؤمنين ، فإنهم يحمون من الطغيان وبسط الرّزق ؛ لئلا يبغوا. ه.
وقال قتادة : كان يقال : خير الرّزق : ما لا يطغيك ، ولا يلهيك ، فذكر لنا أن النّبى صلىاللهعليهوسلم قال : «أخوف ما أخاف على أمتى زهرة الدنيا وكثرتها» (٣). ه.
__________________
(١) هكذا فى الأصول ، وفى تفسير أبى السعود [فيما يتحرى].
(٢) من الآية : ٤٠ من سورة الحج.
(٣) أخرجه الطبري (٢٥ / ١٩).
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
