وفى الإحياء : المقتدى به هو الذي استقام فى نفسه ، واستنار قلبه فانتشر نوره إلى غيره ، لا من يظهر خلاف ما هو عليه ليقتدى به ، فإنه ملبّس ، لم ينصح لنفسه ، فكيف بغيره؟. ه.
قال الورتجبي : ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله ، أي : ممن عرف الله بعد أن رآه وأحبه واشتاق إليه ، ودعا الخلق إليه ، من حيث هو فيه وصدقه فى حاله ، يدعو الخلق إلى الله بلسان الأفعال ، وصدق المقال ، وحلاوة الأحوال ، ويذكر لهم شمائل القدم وحق الربوبية ، ويعرفهم صفات الحق وجلال ذاته ، ويحبب الله فى قلوبهم ، وهذا عمله الصالح ، ثم يقول بعد كماله وتمكنه : إننى واحد من المسلمين ، من تواضعه ولطف حاله خلقا وظرافة ، وإن كان إسلامه من قصارى ـ أي : غاية ـ أحوال المستقيمين. قال سهل : أي : ممن دلّ على الله ، وعلى عبادة الله وسنّة رسوله ، واجتناب المناهي ، وإدامة الاستقامة مع الله ، ثم قال : (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ) بيّن الله هنا أن الخلق الحسن ليس كالخلق السيئ ، وأمر بتبديل الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة ، وأحسن الأخلاق : الحلم ؛ إذ يكون به العدو صديقا ، والبعيد قريبا ، حين دفع غضبه بحلمه ، وظلمه بعفوه ، وسوء جانبه بكرمه ، وفى مظنة الخطاب : أن من كان متخلقا بخلقه ، متصفا بصفاته ، مستقيما فى خدمته ، صادقا فى محبته ، عارفا بذاته وصفاته ، ليس كالمدعى الذي ليس فى دعواه معنى.
ثم قال : (وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا) ، بيّن الله سبحانه ألا يبلغ أحد درجة الخلق الحسن ، وحسنات الأعمال وسنيّات الأفعال ، إلا من تصبّر فى بلاء الله ، وامتحانه ، بالوسائط وغير الوسائط ، ولا يتحمل هذه البليات إلا ذو حظ عظيم من مشاهدته ، وذو نصيب من قربه ووصاله ، صاحب معرفة كاملة ، ومحبة شاملة. وكمال هذا الصبر الاتصاف بصبر الله ، ثم الصبر فى مشاهدة الأزل ، فبالصبر الاتصافى ومشاهدة الأبدى ، والحظ الجمالي ، يوازى طوارق صدمات الألوهية ، وغلبات القهّارية. ثم قال : عن الجنيد : ما يوفق لهذا المقام إلا ذو حظ عظيم من عناية الحق فيه. ه.
ثم بيّن دلائل توحيده ، فقال :
(وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
