أهل حضر واحد فيما أضمروه وفعلوه وموازنة كل ذلك ما قاموا به في ألف ألف عام ، فبطل هذا القول الكاذب بيقين لا شك فيه. وبالله تعالى التوفيق.
قال أبو محمد : وإذ قد بينا بطلان قول المعتزلة في تحكمهم على ربهم ، وإيجابهم عليه ما أوجبوا بآرائهم السخيفة ، وتشبيههم إياه أنفسهم فيما يحسن منهم ويقبح ، وتجويزهم إياه فيما فعل وقضى وقدر. فلنبين بحول الله وقوته أنهم المجورون له على الحقيقة لا نحن ، ثم نذكر ما نصّ الله تعالى عليه مصدّقا لقولنا ، ومكذبا لقولهم وبالله تعالى التوفيق.
فنقول ـ وبالله عزوجل نتأيّد ـ إنّ من المحال البين أن يقول المعتزلة إننا نجوّر الله تعالى. ونحن نقول : لا يجوز البتة ولا جار قط ، وأن كل ما فعل أن يفعل أيّ شيء كان فهو العدل والحق والحكمة على الحقيقة لا شك في ذلك ، وأنه لا جور إلّا ما سمّاه الله عزوجل جورا ، وهو ما ظهر في عصاة عباده من الجن والإنس ممن خالف أمره تعالى ، وهو خالقه فيهم كما شاء فكيف يكن مجور الله عزوجل من هذه هي مقالته! إنما المجوّر لربه تعالى من يقول فيما أخبر الله عزوجل : إن خلقه هذا جور وظلم ، فإن قائل هذا القول لا يخلو ضرورة من أحد وجهين لا ثالث لهما :
إمّا أنه مكذّب لربّه عزوجل في إخباره في القرآن أنه برأ المصائب كلها وخلقها ، وأنه تعالى خلقنا وما نعمل ، وأنه خلق كل شيء بقدر ، محرّف لكلام ربه تعالى الذي هو غاية البيان عن مواضعه ، مبدّل له بعد ما سمعه ، وقد نصّ الله تعالى فيمن يحرف الكلم عن مواضعه ، ويبدّله بعد ما سمعه ما نصّ (١). فهذه خطة كفران التزمها.
والثانية : وهي تصديق الله عزوجل في إخباره بذلك ، وتجويره في فعله ، لا بدّ له من ذلك ، وهذه أيضا خطة كفران التزمها ، أو الانقطاع والتناقض ، والثبات على اعتقاد الباطل بلا حجة تقليدا للعيارين الشطار الفسّاق كالنظام ، والعلاف ، وبشر نخاس الرقيق ، ومعمّر المتهم عندهم في دينه ، وثمانية الخليع المشهور بالقبائح والجاحظ ، وهو من عرف هزلا وعيارة وانهمالا. وهذه أسلم الوجوه لهم. ونعوذ بالله من مثلها.
ثم هم بعد هذا صنفان : أصحاب الأصلح ، وأصحاب اللطف. فأما أصحاب اللطف ، فإن أصحاب الأصلح يصفونهم بأنهم مجوّرون لله ، مجهّلون له. وأصحاب
__________________
(١) انظر الآية ٤٦ من سورة النساء ، والآيتين ١٣ و ٤١ من سورة المائدة.
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ٢ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3657_alfasl-fi-almilal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
