وقد بيّن عزوجل هذا نصّا فقال تعالى : (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ) [سورة النمل آية رقم ٨٧].
فبيّن تعالى أن تلك الصعقة إنما هي فزع لا موت ، وبيّن ذلك بقوله تعالى في سورة الزمر : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ) [سورة الزمر آية رقم ٦٨] الآية فبيّن تعالى أن تلك الصعقة مستثنى منها من شاء الله عزوجل ، وفسر بها الآية التي ذكرنا قبل ، وبيّنت أنها فزعة لا موتة ، وكذلك فسّرها النبي عليه الصلاة والسلام بأنه أول من يقوم فيرى موسى عليهالسلام قائما ، فلا يدري أكان ممن صعق فأفاق أم جوزي بصعقة الطور (١). فسمّاها إفاقة ، ولو كانت موتة ما سمّاها إفاقة بل إحياء فكذلك كانت صعقة موسى عليه الصلاة السلام يوم الطور فزعة لا موتا ، قال تعالى : (وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ) [سورة الأعراف آية رقم ١٤٣].
هذا ما لا خلاف فيه.
قال أبو محمد : فصح بما ذكرنا أن الدور سبع ، وهي : عالمون ، كل عالم منها قائم بذاته ، فأولها : دار الابتداء ، وعالمه ، وهو الذي خلق عزوجل فيه الأنفس جملة واحدة ، وأخذ عليها العهد ، هكذا نصّ تعالى على أنها الأنفس بقوله عزوجل : (وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) [سورة الأعراف آية رقم ١٧٢].
وهي دار واحدة ، لأنهم كلّهم فيها مسلمون ، وهي دار طويلة على آخر النفوس جدّا ، إلّا على أوّل المخلوقين فهي قصيرة عليهم جدّا.
وثانيها : هي دار الابتلاء ، وعالمه : وهي التي نحن فيها ، وهي التي يرسل الله تعالى النفوس إليها من عالم الابتلاء ، فتقيم فيه في أجسادها متعبدة ما أقامت حتى تفارقه جيلا بعد جيل ، حتى تستوفي جميع الأنفس المخلوقة بسكناها الموفق لها. ثم ينقضي هذا العالم ، وهي دار قصيرة جدّا على كل نفس في ذاتها ، لأنّ مدة عمر
__________________
(١) لفظ الحديث كما رواه البخاري في أحاديث الأنبياء باب ٢٥ (حديث رقم ٣٣٩٨) عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق ، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور». ورواه أيضا في أحاديث الأنبياء باب ٣٥ ، والديات باب ٣٢ ، وتفسير سورة ٧ باب ٢. ومسلم في الفضائل حديث ١٥٩ و ١٦٢. وأحمد في المسند (٣ / ٣٣).
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ٢ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3657_alfasl-fi-almilal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
