خلقه تعالى السماوات وأن أرواحنا وهي أنفسنا مخلوقة منذ أخذ الله تعالى عليها العهد. وهكذا قال تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) [سورة الأعراف آية رقم ١١١]. و «ثمّ» توجب في اللغة التي بها نزل القرآن التعقيب بمهلة ، ثم يصوّر الله تعالى من الطين أجسامنا من اللحم والدّم والعظام ، بأن يحيل أعراض التراب والماء وصفاتهما فتصير نباتا وحبّا وثمارا يتغذّى بها ، فتستحيل فينا لحما وعظما ودما ، وعصبا ، وجلدا ، وغضاريف ، وشعرا ، ودماغا ، ونخاعا ، وعروقا ، وعضلا ، وشحما ، ومنيّا ، ولبنا فقط. وكذلك تعود أجسامنا بعد الموت ترابا ، ولا بدّ ، وتصعد رطوبتها المائية ، وأما جمع الله تعالى الأنفس إلى الأجساد فهي الحياة الأولى بعد افتراقها الذي هو الموت الأول ، فتبقى كذلك في عالم الدنيا ، الذي هو عالم الابتلاء ، ما شاء الله تعالى. ثم ينقلنا بالموت الثاني الذي هو فراق الأنفس للأجساد ثانية إلى البرزخ الذي تقيم فيه الأنفس إلى يوم القيامة ، وتعود أجسامنا ترابا ـ كما قلنا ـ ثم يجمع الله عزوجل يوم القيامة بين أنفسنا وأجسادنا التي كانت بعد أن يعيدها وينشرها من القبور ، وهي المواضع التي استقرّت أجزاؤها فيها ، لا يعلمها غيره ، ولا يحصيها سواه عزوجل لا إله إلّا هو ، فهذه الحياة الثانية التي لا تبيد أبدا ، ويخلّد الإنس والجن مؤمنهم في الجنة بلا نهاية ، وكافرهم في النار بلا نهاية.
وأما الملائكة ، وحور العين ، فكلهم في الجنة فيها خلقوا من النور ، وفيها يبقون أبدا بلا نهاية ، ولم ينقلوا عنها قط ، ولا ينقلون. هذا كله نص قول الله عزوجل ، إذ يقول : (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) [سورة البقرة آية رقم ٢٨].
وإذ يقول تعالى مصدّقا للقائلين : (رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) [سورة غافر آية رقم ١١].
فلا يشذ عن هذا أحد إلا من أبانه الله تعالى بمعجزة ظهرت فيه ، كمن أحياه الله عزوجل آية لنبي كالمسيح عليهالسلام ، وكالذين (خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ) [سورة البقرة الآية ٢٤٣].
فهؤلاء ، والذي أماته الله مائة عام ثم أحياه كلهم ماتوا ثلاث موتات وحيوا ثلاث مرات.
وأمّا من ظنّ أن الصعقة التي تكون يوم القيامة موتا فقد أخطأ بنص القرآن الذي ذكرنا ، لأنها كانت تكون حينئذ لكل أحد ثلاث موتات وثلاث إحياءات ، وهذا كذب وباطل ، وخلاف للقرآن.
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ٢ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3657_alfasl-fi-almilal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
