منه ينبت ومنه يخلق في النشأة الأخرى ، كما ينبت العود المسمى بالريحان ، حتى إذا ما اكتملت الأجسام وتناهى خلقها وحان للأم ولادها وجاءها المخاض ، فنفاسها متدان قريب ، أوحى إليها ربها وأذن لاسرافيل أن ينفخ في الصور النفخة الثانية ، فتنشق الأرض وتلقي ما فيها وتتخلى ويخرج منها الناس ، ذكورهم وإناثهم ، في أكل خلقه.
وقوله (والله مقتدر وذو سلطان) جملة معترضة أريد بها بيان أن الله كان قادرا أن يخرج الناس من قبورهم بدون هذه الأسباب ، ولكن حكمته اقتضت أن تكون النشأتان متشابهتين كما قال تعالى : (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) [الأعراف : ٢٩] وكما قال : (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) [الأنبياء : ١٠٤](فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) [المؤمنون : ١٤].
* * *
|
والله ينشئ خلقه في نشأة |
|
أخرى كما قد قال في القرآن |
|
هذا الذي جاء الكتاب وسنة ال |
|
هادي به فأحرص على الايمان |
|
ما قال إن الله يعدم خلقه |
|
طرا كقول الجاهل الحيران |
الشرح : يزعم الفلاسفة المنكرون للبعث والمعاد الجسماني أنه لا بد في البعث من اعادة الأجسام التي كانت في الدنيا بأعيانها ، يعني بجميع صفاتها وأعراضها التي كانت لها في الدنيا. ولما كان ذلك مستحيلا فقد أدى بهم ذلك إلى انكار البعث ، وللرد عليهم نقول : ان الله ينشئ الخلق ويؤلفهم تأليفا جديدا كما قال تعالى : (ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) [العنكبوت : ٢٠](وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى) [النجم : ٤٧] وليس بلازم في الاعادة ولا في كون الشخص الثاني عين الأول أن يعاد الجسم بجميع أجزائه ، فإن الشخص في الدنيا يكون صغيرا ثم ينمو وينتقل من طور إلى طور ، وهو في كل هذه الأطوار في تجدد دائم واستحالة مستمرة ، فتخرج منه أجزاء وتتجدد له أخرى ، ومع ذلك هو في كل هذه الأطوار هو ، لم يقل أحد أنه شخص آخر ، فكذلك النشأة الأخرى هي
![شرح القصيدة النونيّة [ ج ١ ] شرح القصيدة النونيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3430_tarikh-alislam-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
