في سورة النّساء (١) ، كتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى من كان بمكّة ، فخرج ناس ممّن أقرّ بالإسلام ، فاتّبعهم المشركون ، فأدركوهم ، فأكرهوهم حتى أعطوا الفتنة ، فنزل : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) ، رواه عكرمة عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد.
(٨٧٩) والثالث : أنه نزل في عيّاش بن أبي ربيعة ، كان قد هاجر فحلفت أمّه ألّا تستظلّ ولا تشبع من طعام حتى يرجع ، فرجع إليها ، فأكرهه المشركون حتى أعطاهم بعض ما يريدون ، قاله ابن سيرين.
(٨٨٠) والرابع : أنه نزل في جبر ، غلام ابن الحضرمي ، كان يهوديّا فأسلم ، فضربه سيّده حتى رجع إلى اليهودية ، قاله مقاتل.
وأمّا قوله : (وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً) فقال مقاتل : هم النّفر المسمّون في أوّل الآية.
فأمّا التّفسير ، فاختلف النّحاة في قوله : (مَنْ كَفَرَ) وقوله : (وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ) فقال الكوفيون : جوابهما جميعا في قوله : (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ) ، فقال البصريّون : بل قوله : (مَنْ كَفَرَ) مرفوع بالرّدّ على (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ). قال ابن الأنباري : ويجوز أن يكون خبر (مَنْ كَفَرَ) محذوفا ، لوضوح معناه ، تقديره : من كفر بالله ، فالله عليه غضبان.
قوله تعالى : (وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) أي : ساكن إليه راض به. (وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً) قال قتادة : من أتاه بإيثار واختيار. وقال ابن قتيبة : من فتح له صدره بالقبول. وقال أبو عبيدة : المعنى : من تابعته نفسه ، وانبسط إلى ذلك ، يقال : ما ينشرح صدري بذلك ، أي : ما يطيب : وجاء قوله : (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ) على معنى الجميع ، لأنّ «من» تقع على الجميع.
فصل : الإكراه على كلمة الكفر يبيح النّطق بها. وفي الإكراه المبيح لذلك عن أحمد روايتان (٢) : إحداهما : أنه يخاف على نفسه أو على بعض أعضائه التّلف إن لم يفعل ما أمر به. والثانية : أنّ التّخويف لا يكون إكراها حتى ينال بعذاب. وإذا ثبت جواز «التّقيّة» فالأفضل ألّا يفعل ، نصّ عليه أحمد ، في أسير خيّر بين القتل وشرب الخمر ، فقال : إن صبر على القتل فله الشّرف ، وإن لم يصبر ، فله الرّخصة ، فظاهر هذا ، الجواز. وروى عنه الأثرم أنه سئل عن التّقيّة في شرب الخمر فقال : إنما
____________________________________
(٨٧٩) عزاه السيوطي في «الدر» ٤ / ٥٤٩ لابن أبي حاتم عن ابن سيرين لكن ذكره مختصرا ، وهو غير صحيح ، وما قبله هو الراجح ، وكذا حديث عمار ، هو أشهر وأصح حديث في الباب.
(٨٨٠) باطل. عزاه المصنف لمقاتل ، وهو ابن سليمان حيث أطلق ، وهو ممن يضع الحديث.
__________________
(١) سورة النساء : ٩٦ ـ ٩٧.
(٢) في «المغني» ١٢ / ٢٩٢ ـ ٢٩٤ : من أكره على الكفر ، فأتى بكلمة الكفر لم يصر كافرا وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي. وقد قال النبي عليهالسلام : «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». ولأنه قول أكره عليه بغير حق فلم يثبت حكمه. لكن من الأفضل له أن يصبر ولا يقولها وإن أتى ذلك على نفسه لما روى خبّاب عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «إن كان الرّجل من قبلكم ليحفر له في الأرض ، فيجعل فيها ، فيجاء بمنشار ، فيوضع على شق رأسه ، ويشقّ باثنين ، ما يمنعه ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم ما يصرفه ذلك عن دينه».
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
