قرأ : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) قال : «المتفرّسين» وبهذا قال مجاهد ، وابن قتيبة. قال ابن قتيبة : يقال : توسّمت في فلان الخير ، أي : تبيّنته. وقال الزّجّاج : المتوسّمون ، في اللغة : النّظّار المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء ، يقال : توسّمت في فلان كذا ، أي : عرفت وسم ذلك فيه. وقال غيره : المتوسّم : النّاظر في السّمة الدّالّة على الشيء.
والثاني : المعتبرون ، قاله قتادة. والثالث : النّاظرون ، قاله الضّحّاك. والرابع : المتفكّرون ، قاله ابن زيد ، والفرّاء.
قوله تعالى : (وَإِنَّها) يعني : قرية قوم لوط (لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) فيه قولان : أحدهما : لبطريق واضح ، رواه نهشل عن الضّحّاك عن ابن عباس ، وبه قال قتادة ، والزّجّاج. وقال ابن زيد : لبطريق مبين. والثاني : لبهلاك. رواه أبو روق عن الضّحّاك عن ابن عباس ، والمعنى : إنها بحال هلاكها لم تعمر حتى الآن! فالاعتبار بها ممكن ، وهي على طريق قريش إذا سافروا إلى الشّام.
(وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩))
قوله تعالى : (وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ) قال الزّجّاج : معنى «إن» واللام : التوكيد ، والأيك : الشّجر الملتفّ ، فالفصل بين واحده وجمعه ، الهاء. فالمعنى : أصحاب الشّجرة. قال المفسّرون : هم قوم شعيب ، كان مكانهم ذا شجر ، فكذّبوا شعيبا فأهلكوا بالحرّ كما بيّنا في سورة (هود).
قوله تعالى : (وَإِنَّهُما) في المكنّى عنهما قولان : أحدهما : أنهما الأيكة ومدينة قوم لوط ، قاله الأكثرون. والثاني : لوط وشعيب ، ذكره ابن الأنباري. وفي قوله : (لَبِإِمامٍ مُبِينٍ) قولان : أحدهما : لبطريق ظاهر ، قاله ابن عباس ، قال ابن قتيبة : وقيل للطّريق : إمام ، لأنّ المسافر يأتمّ به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده. والثاني : لفي كتاب مستبين ، قاله السّدّيّ. قال ابن الأنباري : «وإنهما» يعني : لوطا وشعيبا لبطريق من الحقّ يؤتمّ به.
(وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١))
قوله تعالى : (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ) يعني بهم ثمود. قال ابن عباس : كانت منازلهم بالحجر بين المدينة والشّام ، وفي الحجر قولان : أحدهما : أنه اسم الوادي الذي كانوا به ، قاله قتادة ، والزّجّاج. والثاني : اسم مدينتهم ، قاله الزّهريّ ، ومقاتل.
قال المفسّرون : والمراد بالمرسلين : صالح وحده ، لأنه من كذّب نبيّا فقد كذّب الكلّ.
والمراد بالآيات : النّاقة ، قال ابن عباس : كان فيها آيات : خروجها من الصّخرة ، ودنوّ نتاجها عند خروجها ، وعظم خلقها فلم تشبهها ناقة ، وكثرة لبنها حتى كان يكفيهم جميعا ، (فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ) لم يتفكّروا فيها ولم يستدلّوا بها.
(وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦))
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
