الملك ، لا تذكر يعقوب ، فإنه إسرائيل الله ابن ذبيح الله ابن خليل الله. فلمّا لم يجدوا إلى خلاص أخيهم سبيلا ، سألوه أن يأخذ منهم بديلا به ، فذلك قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً) أي : في سنّه ، وقيل : في قدره ، (فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ) أي : تستعبده بدلا عنه (إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) فيه قولان : أحدهما : فيما مضى. والثاني : إن فعلت. (قالَ مَعاذَ اللهِ) قد سبق تفسيره ، والمعنى : أعوذ بالله أن نأخذ بريئا بسقيم.
(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١))
قوله تعالى : (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ) أي : يئسوا. وفي هاء «منه» قولان : أحدهما : أنها ترجع إلى يوسف ، فالمعنى : يئسوا من يوسف أن يخلّي سبيل أخيهم. والثاني : إلى أخيهم ، فالمعنى : يئسوا من أخيهم. قوله تعالى : (خَلَصُوا نَجِيًّا) أي : اعتزلوا الناس ليس معهم غيرهم ، يتناجون ويتناظرون ويتشاورون ، يقال : قوم نجيّ ، والجمع أنجية ، قال الشاعر :
|
إنّي إذا ما القوم كانوا أنجيه |
|
واضطربت أعناقهم كالأرشيه (١) |
وإنّما وحّد «نجيّا» لأنه يجري مجرى المصدر الذي يكون للاثنين ، والجمع والمؤنّث بلفظ واحد. وقال الزّجّاج : انفردوا متناجين فيما يعملون في ذهابهم إلى أبيهم وليس معهم أخوهم.
قوله تعالى : (قالَ كَبِيرُهُمْ) فيه قولان : أحدهما : أنه كبيرهم في العقل ، ثم فيه قولان (٢) : أحدهما : أنه يهوذا ، ولم يكن أكبرهم سنّا ، وإنما كان أكبرهم سنّا روبيل ، قاله أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال الضّحّاك ، ومقاتل. والثاني : أنه شمعون ، قاله مجاهد. والثاني : أنه كبيرهم في السّنّ وهو روبيل ، قاله قتادة ، والسّدّيّ.
قوله تعالى : (أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ) في حفظ أخيكم وردّه إليه (وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ) قال الفرّاء : «ما» في موضع رفع ، كأنه قال : ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف ، وإن شئت جعلتها نصبا ، المعنى : ألم تعلموا هذا ، وتعلموا من قبل تفريطكم في يوسف. وإن
__________________
(١) ذكره ابن منظور في «اللسان» مادة «نجا» وعزاه إلى سحيم بن وثيل اليربوعي. وأرشت الشجرة إذا امتدت أغصانها ، وقال الأصمعي : إذا امتدت أغصان الحنظل قيل قد أرشت أي صارت كالأرشية وهي الحبال.
(٢) قال الطبري رحمهالله ٧ / ٢٧٠ : وأولى الأقوال في ذلك بالصحة ، قول من قال : عني بقوله (قالَ كَبِيرُهُمْ) روبيل لإجماع جميعهم على أنه كان أكبرهم سنا ، ولا تفهم العرب في المخاطبة إذا قيل لهم : «فلان كبير القوم» مطلقا بغير وصل إلا أحد معنيين : إما في الرياسة عليهم والسؤدد ، وإما في السن. فأما في العقل ، فإنهم إذا أرادوا ذلك وصلوه فقالوا : هو كبيرهم في العقل. وقد قال أهل التأويل : لم يكن لشمعون ـ وإن كان من العقل والعلم بالمكان الذي جعله الله به ـ على إخوته رئاسة وسؤدد. فإذا كان كذلك ، فلم يبق إلا الوجه الآخر وهو الكبر في السن وروبيل كان أكبر القوم سنا.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
