قوله تعالى : (ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) يعني : المؤمنين والكافرين ، فيجازي الكلّ.
(وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧))
قوله تعالى : (وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) قال ابن عباس : نزلت في رؤساء قريش. و «لولا» : بمعنى «هلّا» ؛ وقد شرحناها في سورة النّساء.
وقال مقاتل : أرادوا بالآية مثل آيات الأنبياء. وقال غيره : أرادوا نزول ملك يشهد له بالنّبوّة.
وفي قوله تعالى : (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ثلاثة أقوال : أحدها : لا يعلمون بأنّ الله سبحانه وتعالى قادر على إنزال الآية. والثاني : لا يعلمون ما عليهم من البلاء في إنزالها ، لأنهم إن لم يؤمنوا بها ، زاد عذابهم. والثالث : لا يعلمون المصلحة في نزول الآية.
(وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨))
قوله تعالى : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ) قال ابن عباس : يريد كلّ ما دبّ على الأرض. قال الزّجّاج : وذكر الجناحين توكيد ، وجميع ما خلق لا يخلو إما أن يدبّ ، وإمّا أن يطير.
وقوله تعالى : (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ) قال مجاهد : أصناف مصنّفة. وقال أبو عبيدة : أجناس يعرفون الله ويعبدونه. وفي معنى «أمثالكم» أربعة أقوال : أحدها : أمثالكم في كون بعضها يفقه عن بعض ، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني : في معرفة الله ، قاله عطاء. والثالث : أمثالكم في الخلق والموت والبعث ، قاله الزّجّاج. والرابع : أمثالكم في كونها تطلب الغذاء ، وتبتغي الرّزق ، وتتوقّى المهالك ، قاله ابن قتيبة. قال ابن الأنباريّ : وموضع الاحتجاج من هذه الآية أنّ الله تعالى ركّب في المشركين عقولا ، وجعل لهم أفهاما ألزمهم بها أن يتدبّروا أمر النبيّ صلىاللهعليهوسلم ويتمسّكوا بطاعته ، كما جعل للطّير أفهاما يعرف بها بعضها إشارة بعض ، وهدى الذّكر منها لإتيان الأنثى ، وفي كل ذلك دليل على نفاذ قدرة المركّب ذلك فيها.
قوله تعالى : (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) في الكتاب قولان : أحدهما : أنه اللوح المحفوظ. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس : ما تركنا شيئا إلّا وقد كتبناه في أمّ الكتاب ، وإلى هذا المعنى ذهب قتادة ، وابن زيد. والثاني : أنه القرآن. روى عطاء عن ابن عباس : ما تركنا من شيء إلّا وقد بيّناه لكم. فعلى هذا يكون من العامّ الذي أريد به الخاصّ ، فيكون المعنى : ما فرّطنا في شيء بكم إليه حاجة إلا وبيّناه في الكتاب ، إمّا نصّا ، وإما مجملا ، وإمّا دلالة ، كقوله تعالى : (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (١) أي : لكلّ شيء يحتاج إليه في أمر الدّين.
قوله تعالى : (ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) فيه قولان (٢) : أحدهما : أنه الجمع يوم القيامة.
__________________
(١) سورة النحل : ٨٩.
(٢) قال الطبري في «تفسيره» ٥ / ١٨٨ : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر أن كل دابة وطائر محشور إليه ، وجائز أن يكون معنيا بذلك حشر القيامة ، وجائز أن يكون معنيا به حشر الموت ،
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
