وكانت العرب تحرّم الأشهر الأربعة ، وكان هذا ممّا تمسّكت به من ملّة إبراهيم ؛ فربّما احتاجوا إلى تحليل المحرّم للحرب تكون بينهم ، فيؤخرون تحريم المحرّم إلى صفر ، ثم يحتاجون إلى تأخير صفر أيضا إلى الشهر الذي بعده ؛ ثم تتدافع الشّهور شهرا بعد شهر حتى يستدير التحريم على السنّة كلّها ، فكأنهم يستنسئون الشهر الحرام ويستقرضونه ، فأعلم الله تعالى أنّ ذلك زيادة في كفرهم لأنّهم أحلّوا الحرام وحرّموا الحلال (لِيُواطِؤُا) أي ليوافقوا (عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ) فلا يخرجون من تحريم أربعة ، ويقولون : هذه بمنزلة الأربعة الحرم ، ولا يبالون بتحليل الحرام وتحريم الحلال. وكان القوم لا يفعلون ذلك إلّا في ذي الحجّة إذا اجتمعت العرب للموسم ، قال الفرّاء : كانت العرب في الجاهلية إذا أرادوا الصّدر عن منى قام رجل من بني كنانة يقال له : نعيم بن ثعلبة ، وكان رئيس الموسم ، فيقول : أنا الذي لا أعاب ولا أجاب ولا يردّ لي قضاء ؛ فيقولون : أنسئنا شهرا ؛ يريدون : أخّر عنّا حرمة المحرّم ، واجعلها في صفر ، فيفعل ذلك. وإنما دعاهم إلى ذلك توالي ثلاثة أشهر حرم لا يغيرون فيها ، وإنّما كان معاشهم من الإغارة ، فتستدير الشّهور كما بيّنّا. وقيل : إنّما كانوا يستحلّون المحرّم عاما ، فإذا كان من قابل ردّوه إلى تحريمه. قال أبو عبيد : والتّفسير الأول أحبّ إليّ ، لأنّ هذا القول ليس فيه استدارة.
(٦٩٧) وقال مجاهد : كان أول من أظهر النّسيء جنادة بن عوف الكناني ، فوافقت حجّة أبي بكر ذا القعدة. ثم حجّ النبيّ صلىاللهعليهوسلم في العام المقابل في ذي الحجّة ، فذلك حين قال : «ألا إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض». وقال الكلبيّ : أوّل من فعل ذلك نعيم بن ثعلبة.
قوله تعالى : (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم : «يضل» بفتح الياء وكسر الضاد ، والمعنى : أنهم يكتسبون الضّلال به. وقرأ حمزة والكسائيّ ، وحفص عن عاصم : «يضلّ» بضمّ الياء وفتح الضاد على ما لم يسمّ فاعله. وقرأ الحسن البصريّ ، ويعقوب إلّا الوليد : «يضلّ» بضمّ الياء وكسر الضاد ؛ وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : يضلّ الله به. والثاني : يضلّ الشيطان به ، ذكرهما ابن القاسم. والثالث : يضلّ به الذين كفروا الناس ، لأنهم الذين سنّوه لهم. قال أبو عليّ : التقدير : يضلّ به الذين كفروا تابعيهم. وقال ابن القاسم : الهاء في «به» راجعة إلى النّسيء ، وأصل النّسيء : المنسوء ، أي : المؤخّر ، فينصرف عن «مفعول» إلى «فعيل» كما قيل : مطبوخ وطبيخ ، ومقدور وقدير ، قال : وقيل : الهاء راجعة إلى الظّلم ، لأنّ النّسيء كشف تأويل الظّلم ، فجرى مجرى المظهر ؛ والأوّل اختيارنا.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨))
قوله تعالى : (ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا).
____________________________________
(٦٩٧) مرسل. أخرجه الطبري ١٦٧٢٨ عن مجاهد مرسلا. والمرفوع منه أخرجه البخاري ٦٧ و ١٠٥ و ١٧٤١ و ٣١٩٧ و ٤٤٠٦ و ٤٦٦٢ و ٥٥٥٠ و ٧٤٤٧ ومسلم ١٦٧٩ وأبو داود ١٩٤٨ وابن ماجة ٢٣٣ وابن حبان ٤٨٤٨ وأحمد ٥ / ٣٩ من حديث أبي بكرة ، وله شواهد كثيرة.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
