والمعنى : كأنّك جمل من جمال بني أقيش ، هذا قول الفرّاء وأبي عبيدة.
والثاني : أنّ الضّرب لهم في الدنيا ، فإذا وردوا يوم القيامة إلى النّار ، قال خزنتها : ذوقوا عذاب الحريق ، هذا قول مقاتل.
(ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١))
قوله تعالى : (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) أي : بما كسبتم من قبائح أعمالكم. (وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) لا يظلم عباده بعقوبتهم على الكفر ، وإن كان كفرهم بقضائه ، لأنّه مالك ، فله التّصرّف في ملكه كما شاء فيستحيل نسبة الظّلم إليه.
(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢))
قوله تعالى : (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) أي : كعادتهم : والمعنى : كذّب هؤلاء كما كذّب أولئك ، فنزل بهم العذاب كما نزل بأولئك. قال ابن عباس : أيقن آل فرعون أنّ موسى نبيّ الله وكذّبوه ، فكذلك هؤلاء في حقّ محمد صلىاللهعليهوسلم.
(ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣))
قوله تعالى : (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ) أي : ذلك الأخذ والعقاب بأنّ الله (لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا) بالكفران وترك الشّكر. قال مقاتل : والمراد بالقوم ها هنا أهل مكّة ، أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ثمّ بعث فيهم محمدا صلىاللهعليهوسلم ، فلم يعرفوا المنعم عليهم ، فغيّر الله ما بهم. وقال السّدّيّ : كذّبوا بمحمد فنقله الله إلى الأنصار. قال أبو سليمان الخطّابي : والقويّ يكون بمعنى القادر ، فمن قوي على شيء فقد قدر عليه ، وقد يكون معناه : التّامّ القوّة الذي لا يستولي عليه العجز في حال ، والمخلوق وإن وصف بالقوّة فقوّته متناهية وعن بعض الأمور قاصرة.
(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤))
قوله تعالى : (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي : كذّب أهل مكّة بمحمد والقرآن ، كما كذّب آل فرعون بموسى والتوراة ، وكذّب من قبلهم بأنبيائهم. قال مكّيّ بن أبي طالب : الكاف من «كدأب» في موضع نصب ، نعت لمحذوف تقديره : غيّرنا بهم لمّا غيّروا تغييرا مثل عادتنا في آل فرعون ، ومثلها الآية الأولى ، إلّا أنّ الأولى للعادة في العذاب ؛ تقديره : فعلنا بهم ذلك فعلا مثل عادتنا في آل فرعون.
قوله تعالى : (فَأَهْلَكْناهُمْ) يعني الأمم المتقدّمة ، بعضهم بالرّجفة ، وبعضهم بالرّيح ، فكذلك أهلكنا كفّار مكّة ببدر. وقال بعضهم : يعني بقوله : «فأهلكناهم» الذين أهلكوا ببدر.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
