رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فلم أجبه ، ثم أتيته فقلت : يا رسول الله ، إنّي كنت أصلّي ، فقال : «ألم يقل الله : استجيبوا لله وللرّسول إذا دعاكم لما يحييكم؟» قلت : بلى ، ولا أعود إن شاء الله.
والثاني : أنه الحقّ ، رواه شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. والثالث : أنه الإيمان ، رواه ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وبه قال السّدّيّ. والرابع : أنه اتّباع القرآن ، قاله قتادة ، وابن زيد. والخامس : أنه الجهاد ، قاله ابن إسحاق. وقال ابن قتيبة : هو الجهاد الذي يحيي دينهم ويعليهم. والسادس : أنه إحياء أمورهم ، قاله الفرّاء. فيخرّج في إحيائهم خمسة أقوال : أحدها : أنه إصلاح أمورهم في الدّنيا والآخرة. والثاني : بقاء الذّكر الجميل لهم في الدّنيا ، وحياة الأبد في الآخرة. والثالث : أنه دوام نعيمهم في الآخرة. والرابع : أنه كونهم مؤمنين ، لأنّ الكافر كالميّت. والخامس : أنه يحييهم بعد موتهم ، وهو على قول من قال : هو الجهاد ، لأنّ الشهداء أحياء ، ولأنّ الجهاد يعزّهم بعد ذلّهم ، فكأنّهم صاروا به أحياء.
قوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) وفيه عشرة أقوال (١) :
أحدها : يحول بين المؤمن وبين الكفر ، وبين الكافر وبين الإيمان ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ، وبه قال سعيد بن جبير. والثاني : يحول بين المؤمن وبين معصيته ، وبين الكافر وبين طاعته ، رواه العوفيّ عن ابن عباس ، وبه قال الضّحّاك والفرّاء. والثالث : يحول بين المرء وقلبه حتى لا يتركه يعقل ، قاله مجاهد. قال ابن الأنباري : المعنى يحول بين المرء وعقله ، فبادروا الأعمال ، فإنّكم لا تأمنون زوال العقول ، فتحصلون على ما قدّمتم. والرابع : أنّ المعنى : هو قريب من المرء ، لا يخفى عليه شيء من سرّه ، كقوله : (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (٢) ، وهذا معنى قول قتادة. والخامس : يحول بين المرء وقلبه ، فلا يستطيع إيمانا ولا كفرا إلّا بإذنه ، قاله السّدّيّ. والسادس : يحول بين المرء وبين هواه ، ذكره ابن قتيبة. والسابع : يحول بين المرء وبين ما يتمنّى بقلبه من طول العمر والنّصر وغيره. والثامن : يحول بين المرء وقلبه بالموت ، فبادروا الأعمال قبل وقوعه. والتاسع : يحول بين المرء وقلبه بعلمه ، فلا يضمر العبد شيئا في نفسه إلّا والله عالم به ، لا يقدر على تغييبه عنه. والعاشر : يحول بين ما يوقعه في قلبه من خوف أو أمن ، فيأمن بعد خوفه ، ويخاف بعد أمنه ، ذكر معنى هذه الأقوال ابن الأنباري.
وحكى الزّجّاج أنهم لمّا فكّروا في كثرة عدوّهم وقلّة عددهم ، فدخل الخوف قلوبهم ، أعلمهم الله تعالى أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدله بالخوف الأمن ، ويبدل عدوّه بالقوّة الضّعف ، وقد أعلمت
__________________
(١) ذكر الطبري في «تفسيره» ٦ / ٢١٥ : وأولى الأقوال بالصواب عندي في ذلك أن يقال : إن ذلك خبر من الله عزوجل أنه أملك لقلوب عباده منهم. وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك به شيئا من إيمان أو كفر ، أو أن يعي به شيئا أو أن يفهم إلا بإذنه ومشيئته ، وذلك أن الحول «بين الشيء والشيء» إنما هو الحجز بينهما ، وإذا حجز جل ثناؤه بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه ، لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبه إدراكه سبيل ... غير أنه ينبغي أن يقال : إن الله عم بقوله (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) عن أنه يحول بين العبد وقلبه ، ولم يخصص من المعاني التي ذكرنا شيئا دون شيء ، والكلام محتمل كل هذه المعاني ، فالخبر على العموم حتى يخصه ما يجب التسليم له ا. ه.
(٢) سورة ق : ١٦.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
