لأنها قد وردت وليس المراد بها الأبد في قوله : (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) (١) ثم أخبر عنهم بتمنيه في النار بقوله تعالى : (يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ) (٢) ، ولأنّ ابن عباس قال في تفسيرها : لن تراني في الدنيا. وقال غيره : هذا جواب لقول موسى : «أرني» ، ولم يرد : أرني في الآخرة ، وإنّما أراد في الدنيا ، فأجيب عمّا سأل. وقال بعضهم : لن تراني بسؤالك. وفي هذه الآية دلالة على جواز الرّؤية ، لأنّ موسى مع علمه بالله تعالى ، سألها ، ولو كانت مما يستحيل لما جاز لموسى أن يسألها ، ولا يجوز أن يجهل موسى مثل ذلك ، لأنّ معرفة الأنبياء لله ليس فيها نقص ، ولأنّ الله تعالى لم ينكر عليه المسألة وإنما منعه من الرّؤية ، ولو استحالت عليه لقال : «لا أرى» ؛ ألا ترى أن نوحا لمّا قال : (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) أنكر عليه بقوله : (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) (٣) ، وممّا يدلّ على جواز الرّؤية أنه علّقها باستقرار الجبل ، وذلك جائز غير مستحيل ، فدلّ على أنها جائزة ، ألا ترى أنّ دخول الكفار الجنّة لمّا استحال علّقه بمستحيل فقال : (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ) (٤).
قوله تعالى : (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ) أي : ثبت ولم يتضعضع.
قوله تعالى : (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ) قال الزّجّاج : ظهر ، وبان. (جَعَلَهُ دَكًّا) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر : «دكّا» منوّنة مقصورة ها هنا وفي (الكهف). وقرأ عاصم : «دكّا» ها هنا منوّنة مقصورة ، وفي (الكهف) : «دكاء» ممدودة غير منوّنة. وقرأ حمزة ؛ والكسائيّ : «دكاء» ممدودة غير منوّنة في الموضعين. قال أبو عبيدة : «جعله دكّا» أي : مندكّا والمندكّ : المستوي ؛ والمعنى : مستويا مع وجه الأرض ، يقال : ناقة دكاء ، أي : ذاهبة السّنام مستو ظهرها. قال ابن قتيبة : كأنّ سنامها دكّ ، أي : التصق ، قال : ويقال : إنّ أصل دككت : دققت ، فأبدلت القاف كافا لتقارب المخرجين. وقال أنس بن مالك في قوله : «جعله دكا» : ساخ الجبل. قال ابن عباس : واسم الجبل : زبير ، وهو أعظم جبل بمدين ، وإنّ الجبال تطاولت ليتجلّى لها ، وتواضع زبير فتجلّى له. قوله تعالى : (وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً) فيه قولان : أحدهما : مغشيّا عليه ، قاله ابن عباس والحسن وابن زيد. والثاني : ميتا ، قاله قتادة ومقاتل. والأول أصح ، لقوله تعالى : (فَلَمَّا أَفاقَ) وذلك لا يقال للميّت. وقيل : بقي في غشيته يوما وليلة.
قوله تعالى : (سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ) فيما تاب منه ثلاثة أقوال : أحدها : سؤال الرّؤية ، قاله ابن عباس ، ومجاهد. والثاني : الإقدام على المسألة قبل الإذن فيها. والثالث : اعتقاد جواز رؤيته في الدنيا. وفي قوله تعالى : (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) قولان (٥) : أحدهما : أنّك لن ترى في الدنيا ، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني : أوّل المؤمنين من بني إسرائيل ، رواه عكرمة عن ابن عباس.
__________________
موضوعة لنفي التأبيد ، فاستدل المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة. وهذا أضعف الأقوال ، لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة. اه.
(١) سورة البقرة : ٩٥.
(٢) سورة الزخرف : ٧٧.
(٣) سورة هود : ٤٥ و ٤٦.
(٤) سورة الأعراف : ٤٠.
(٥) قال ابن كثير في «تفسيره» ٢ / ٣١٠ : قال ابن عباس ومجاهد : من بني إسرائيل ، واختاره ابن جرير. وفي رواية أخرى عن ابن عباس (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) أنه لا يراك أحد. وكذا قال أبو العالية : قد كان قبله ، ولكن يقول : أنا أول من آمن بك أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة وهذا قول حسن له اتجاه.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
