يشير إلى الله عزوجل. وفي معنى الكلام أربعة أقوال : أحدها : لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء ، رواه الضّحّاك عن ابن عباس ، وهو قول أبي موسى الأشعريّ ، والسّدّيّ في آخرين ، والأحاديث تشهد به. والثاني : لا تفتح لأعمالهم ، رواه العوفيّ عن ابن عباس. والثالث : لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ، رواه عطاء عن ابن عباس. والرابع : لا تفتح لأرواحهم ولا لأعمالهم ، قاله ابن جريج ، ومقاتل.
وفي السّماء قولان : أحدهما : أنها السّماء المعروفة ، وهو المشهور. والثاني : أنّ المعنى : لا تفتح لهم أبواب الجنّة ولا يدخلونها ، لأنّ الجنّة في السماء ، ذكره الزّجّاج.
قوله تعالى : (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ) الجمل : هو الحيوان المعروف. فإن قال قائل : كيف خصّ الجمل من دون سائر الدّواب ، وفيها ما هو أعظم منه؟ فعنه جوابان : أحدهما : أنّ ضرب المثل بالجمل يحصّل المقصود ؛ والمقصود أنهم لا يدخلون الجنّة ، كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة ، ولو ذكر أكبر منه أو أصغر منه ، جاز ، والناس يقولون : فلان لا يساوي درهما ، وهذا لا يغني عنك فتيلا ، وإن كنّا نجد أقلّ من الدّرهم والفتيل. والثاني : أنّ الجمل أكبر شأنا عند العرب من سائر الدّواب ، فإنهم يقدّمونه في القوّة على غيره ، لأنه يوقر بحمله فينهض به دون غيره من الدّواب ، ولهذا عجّبهم من خلق الإبل ، فقال : (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) (١) ، فآثر الله تعالى ذكره على غيره لهذا المعنى. ذكر الجوابين ابن الأنباري.
قال : وقد روى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قرأ : «حتى يلج الجمّل» بضمّ الجيم وتشديد الميم ، وقال : هو القلس الغليظ. قلت : وهي قراءة أبي رزين ، ومجاهد ، وابن محيصن ، وأبي مجلز ، وابن يعمر ، وأبان عن عاصم. قال : وروى مجاهد عن ابن عباس : «حتى يلج الجمل» بضمّ الجيم وفتح الميم وتخفيفها. قلت : وهي قراءة قتادة ، وقد رويت عن سعيد بن جبير ، وأنه قرأ : «حتى يلج الجمل» بضمّ الجيم وتسكين الميم. قلت : وهي قراءة عكرمة. قال ابن الأنباري : فالجمل يحتمل أمرين : يجوز أن يكون بمعنى الجمّل ، ويجوز أن يكون بمعنى جملة من الجمال ، قيل في جمعها : جمل ، كما يقال : حجرة ، وحجر ، وظلمة ، وظلم. وكذلك من قرأ : «الجمل» يسوغ له أن يقول : الجمل ، بمعنى الجمّل ، وأن يقول : الجمل ، جمع جملة ، مثل بسرة ، وبسر. وأصحاب هذه القراءات يقولون : الحبل والحبال ، أشبه بالإبرة والخيوط من الجمال. وروى عطاء بن يسار عن ابن عباس أنه قرأ : «الجمل» بضمّ الجيم والميم ، وبالتّخفيف ، وهي قراءة الضّحّاك ، والجحدريّ. وقرأ أبو المتوكّل ، وأبو الجوزاء : «الجمل» بفتح الجيم ، وبسكون الميم خفيفة.
قوله تعالى : (فِي سَمِّ الْخِياطِ) السّمّ في اللغة : الثّقب. وفيها ثلاث لغات : فتح السّين ، وبها قرأ الأكثرون ، وضمّها ، وبه قرأ ابن مسعود ، وأبو رزين ، وقتادة ، وابن محيصن ، وطلحة بن مصرّف ، وكسرها ، وبه قرأ أبو عمران الجونيّ ، وأبو نهيك ، والأصمعيّ عن نافع. قال ابن القاسم : والخياط : المخيط ، بمنزلة اللّحاف والملحف ، والقرام والمقرم. وقد قرأ ابن مسعود ، وأبو رزين ، وأبو مجلز : «في سمّ المخيط». قال الزّجّاج : الخياط : الإبرة ، وسمّها : ثقبها. والمعنى : أنهم لا يدخلون الجنّة
__________________
(١) سورة الغاشية : ١٧.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
