العلم أمانة الله
وإذا كانت هذه الآية قد تحدثت عن ميثاق الله لأهل الكتاب في تبيانه للناس وعدم كتمانه ، فإنها توحي بالخط العريض الذي يشمل العلم كله ، مما يحتاج الناس إليه في كل أمور دنياهم وآخرتهم ، فإن العلم أمانة الله في عقل العالم ووجدانه ، فلا بد له من أن يؤديه إلى كل جاهل يحتاج إليه في حركة وجوده ، وهو أمانة الإنسان عند الذين يملكونه ، باعتبار أن طاقات الأمة ليست شيئا معلّقا في الفضاء ، بل هي موجودة في طاقات الأفراد الذين يتجمعون ليمثلوا طاقة الأمة مجتمعة ، ولذلك فإن الذين يحجبون عن الأمة طاقاتهم ، فلا يبذلونها لها ، هم من الخائنين لأماناتهم العامة. وقد جاء في الحديث عن النبي محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم : «من كان عنده علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» (١). وروى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن الحسن بن عمارة قال : أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث ، فألفيته على بابه فقلت : إن رأيت أن تحدثني؟ فقال : أو ما علمت أني تركت الحديث؟ فقلت : إمّا أن تحدثني وإما أن أحدثك؟ فقال : حدثني. فقلت : حدثني الحكم بن عتيبة عن نجم الجزار قال : سمعت علي بن أبي طالب عليهالسلام يقول : «ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا» (٢). قال : فحدثني أربعين حديثا» (٣).
وخلاصة الفكرة : أن العلم يمثل مسئولية العالم في بذله للناس بالطريقة التي تفتح عقولهم على الله وعلى الرسالة وعلى الحياة ، بحيث يكفل لهم ذلك الارتفاع إلى الدرجات العليا في الوعي الشامل وفي مواجهة حاجات الدنيا والآخرة ، فلا بد له من أن يقوم بمسؤوليته في ذلك كله على أساس الحساب أمام الله في ذلك كله.
__________________
(١) البحار ، م : ١٩ ، ج : ٥٧ ، باب : ٣٩ ، ص : ٤١٥ ، روايى : ١١.
(٢) نهج البلاغة ، قصار الحكم / ٤٧٨.
(٣) مجمع البيان ، ج : ٢ ، ص : ٩٠٥.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
