من هنا ، فإنّ المعرفة مسئولية الأشخاص الذين يملكونها ، فقد أخذ الله ميثاقهم على أن يقدموها للناس ويبذلوها ، لينطلق الناس في خط الوعي الذي يفتح لهم حياتهم على قضايا الحق والهدى والإيمان ، فتتحرك من مواقع النور وتبتعد عن آفاق الظلام ، بينما يتحوّل كتمانها واستغلالها لمطامع شخصية أو فئوية ، إلى عنصر من عناصر الضلال والضياع والاستسلام للجهل والانحراف ، وهذا ما لا يريده الله لعباده ، في ما يريده لهم من الانفتاح على ما فيه صلاح أمورهم والابتعاد عما فيه فسادهم ...
وقد أكّد الله المسؤولية على الذين أوتوا الكتاب في ما حمّلهم من كتابه ، واعتبر قضيّة إبلاغه للناس ميثاقا بينه وبينهم ، وأراد لهم من خلال ذلك أن لا يتاجروا به ليشتروا به ثمنا قليلا ، لأن التجارة إذا دخلت في وعي حملة الكتاب وسيطرت على مسيرتهم ، كانت وسيلة من وسائل الإفساد للأمة ، ذلك كونها تخضع لقانون العرض والطلب ، وأساليب الربح والخسارة ، في ما يتعامل به المتاجرون من أوضاع وأساليب.
وقد أساء هؤلاء إلى أنفسهم وإلى الناس حين أساءوا إلى هذا الميثاق الإلهي ، فكتموا كتاب الله عن الناس ، ولم يبيّنوه لهم ليعرفوا من خلاله قواعد الحق والباطل ، فينطلقوا مع الحق ودعاته عن معرفة ، ويبتعدوا عن الباطل وأهله عن معرفة ... ونبذوه وراء ظهورهم ، فلم يحترموا مفاهيمه ، ولم يكترثوا به ، (وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) وخانوا الميثاق ، (فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ) ، لأن هذه الأموال التي يقبضونها لقاء انحرافهم وتحريفهم لكتاب الله لإرضاء أطماعهم وشهواتهم ، سوف تفسد عليهم مصيرهم في الدنيا والآخرة ، وتحرق أصابعهم ، وتعرّضهم للعنة الأبديّة عند الله. وذلك هو جزاء المفسدين.
وقد لا نحتاج إلى التأكيد على استيحاء المفهوم الشامل الذي لا يجعل الآية في حدود هؤلاء الذين تحدثت عنهم من أهل الكتاب ، بل يمتد إلى كل من حمل كتاب الله وعرف آياته وأحكامه ، سواء كان الكتاب توراة أو إنجيلا أو قرآنا ، لأن الفكرة هي أن الحقيقة أمانة الله عند أهلها ، فلا يجوز لهم أن
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
