في مشاعرهم ، وإلى واقع في حياتهم العامة والخاصة ، مما يفرض على الطليعة الحاملة له أن تقوم بمهمة إبلاغه للناس ودعوتهم إليه وتوجيههم إلى مفاهيمه ، لأن الهدف المنفتح على واقع الفكر لا يمكن أن يحصل إلا بأن ينتشر الحق في وعي الناس كلهم ، باعتبار أن الوعي هو الخطوة الأولى للحركة ، (وَلا تَكْتُمُونَهُ) انطلاقا من بعض التعقيدات النفسية ، والنوازع الذاتية ، والأطماع المادية ، والعلاقات الاجتماعية ... وغير ذلك من المؤثرات التي تدفع الإنسان إلى إخفاء الحقيقة ، لأنها قد تربك بعض حياته ، كما في الحالات التي تعمل على تأييد الظالمين ودعم مواقعهم ، وتطييب نفوسهم ، وتسهيل أمورهم رغبة في الحصول على بعض امتيازاتهم وأموالهم ، لأن الكتاب يشجب ذلك كله ، ويدعو إلى حماية المستضعفين من هؤلاء المستكبرين ، وإلى اعتبار الإيمان قيمة تتفوق على كل قيم الثروة والجاه ونحو ذلك ، وربما يكون الكتمان لبخل في العلم واستئثار به لعقدة نفسية ونحو ذلك ، (فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ) أي نبذوا الكتاب وطرحوه ، لأنهم لا يلتزمون به التزام المؤمن بالنص المقدّس وبالإيمان المسؤول وبالواقع المنفتح على القيم الروحية والأخلاقية ، بل كانت المسألة لديهم مجرد انتساب بالاسم ، للانتفاع به في مصالحهم الدنيوية ونوازعهم الذاتية ، وقد جاء في بعض التفاسير أن الضمير في كلمة (فَنَبَذُوهُ) يرجع إلى الميثاق ـ كما في تفسير الكشاف ـ حيث ذكر في معناه : «فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم ، يعني لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه» (١)(وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) فقد استبدلوا بعهد الله عليهم وميثاقه ومخالفته عوضا يسيرا من حطام الدنيا مما حصلوا عليه من مال أو جاه أو شهوة لا يبقى لهم منه شيء.
(فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ) لأنهم حصلوا على أسوأ النتائج ، وأيّ نتيجة أكثر سوءا من عذاب جهنم التي لا يمكن أن يعادلها أيّ نفع عاجل من حطام الدنيا؟!
* * *
__________________
(١) تفسير الكشاف ، ج : ١ ، ص : ٤٨٦.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
