قلت : كلمة التوفية تزيل هذا الوهم ، لأن المعنى أن توفية الأجور وتكميلها يكون ذلك اليوم ، وما يكون قبل ذلك فبعض الأجور» (١).
(فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ) وأبعد عنها ونحّي عنها بسرعة فلا يعود إليها (وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ) من خلال إيمانه وعمله الصالح ، (فَقَدْ فازَ) فقد حصل له الفوز المطلق الذي لا مجال فيه لأيّة فرصة جديدة للخسارة والسقوط. وهذه اللفتة توحي بالنتائج الطيبة الحاسمة ، وتؤكد على أن الفوز كل الفوز هو أن يبتعد الإنسان عن النار ويدخل الجنّة ، لأن قضيّة الفوز ترتبط بالمصير النهائي الذي لا تبقى عنده مرحلة منتظرة لتغيير الواقع.
(وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا) بكل شهواتها ولذائذها ودرجاتها ومواقعها وحاجاتها (إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ) لأنه الربح الذي لا يدوم لصاحبه ، بل يفنى بفنائه أو قبل موته عند ما يفارقه ذلك في حياته ؛ وبذلك كان هذا يمثل حالة خدّاعة لا مجال فيها لأية حقيقة خالدة. أمّا وجه الشبه للحياة الدنيا بالمتاع ، فإن المتاع يدلّس به على المستام ويغرّ حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ... فلا قيمة للفوز في الحياة الدنيا إذا كانت نتيجته الخسارة في الآخرة بدخول النار ، لأن هذه الحياة لا تمثّل في واقع الإنسان إلا متاعا ، مجرّد متاع لا بقاء له ، يعيش معه أجواء الخديعة والغرور من دون حقيقة ثابتة.
أمّا إيحاء هذه الفقرة للمؤمنين ، فهو أن يواجهوا الموقف في الحياة الدنيا بالصبر على ما يصيبهم من الأذى والشدّة والبلاء المتنوع في أوضاعهم المادية والمعنوية من دون أن يشعروا بالإحباط والسقوط ، من خلال الحالات النفسية الصعبة بفعل التعقيدات المزاجية والعاطفية والشعورية والانفعالات السلبية ، لأن الدنيا ليست خالدة ، فلا دوام لمشاكلها وآلامها ، كما لا قيمة للذائذها ولأفراحها ؛ أمّا الآخرة ، فهي دار الحيوان ودار السعادة الخالدة ، فعليهم أن يتحملوا جهد الدنيا للحصول على راحة الآخرة ، ليتحركوا في مسيرتهم من
__________________
(١) تفسير الكشاف ، ج : ١ ، ص : ٤٨٥.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
