رزقهم الله من مال عند ما يدعون إلى الإنفاق في سبيل الله ، سواء في ذلك الفئات المحرومة التي تحتاج إلى المساعدة في رعاية أمورها الحياتية الملحّة ، أو الدعوات الدينيّة والاجتماعية والسياسيّة التي تبني للأمّة حياتها العامّة والخاصة ، أو المشاريع الخيرية التي يحتاجها المستضعفون في قضاياهم الحيويّة وأوضاعهم المأساوية من يتم وحرمان وتشريد وغير ذلك ... فهم يحسبون أن البخل خير لهم لما يوفره لهم من مال يختزنونه ، فلا ينقص من رصيدهم شيء.
وتلك هي النظرة الساذجة للأشياء التي تنظر إلى الأمور من خلال ظواهرها لا من خلال بواطنها ويواجهون الأعمال فيحكمون عليها من موقع بداياتها لا من موقع النتائج. ولو أنّهم درسوا القضية من مواقعها الحقيقية ، لتغيّرت نظراتهم واختلفت حساباتهم. فهذا المال ليس مالهم في الحقيقة ، بل هو عطيّة من الله الذي أتاهم إيّاه من فضله لينفقوه على أنفسهم في ما يحتاجونه من أمورهم الحياتية ، ولينفقوه على الآخرين في ما يواجههم من حاجات الحياة مما لا يملكون الإنفاق عليه ، فإذا بخل الإنسان به ، فإن ذلك يوحي بالإساءة إلى الدور الذي أراد الله له أن يقوم به ، كما أنه يبعده عن السير مع مصلحته ، بما يحصل عليه من نتائج جيّدة لحساب دنياه وآخرته ، على تقدير الإنفاق ، وبذلك لن يكون البخل خيرا له ، لأن قضية الخير والشرّ في أيّ عمل من الأعمال لا تقاس على أساس البدايات ، بل على أساس النتائج الإيجابيّة والسلبيّة له.
وهذا ما أراد الله أن يثيره أمام هؤلاء الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله ، في قوله تعالى : (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ) وقد أطلق القرآن كلمة الشرّ فلم يحدّد مسارها بشكل صريح ، ليعيش الإنسان البخيل الآفاق الواسعة التي ينتظر فيها النتائج السلبيّة من عمله في الدنيا والآخرة ... ولكنه تحدّث له عن النتائج الأخروية بما يوحي بضرورة الإحساس بالأهميّة لقضايا الآخرة في عذابها وثوابها ، عند ما تدعوه شهواته وأطماعه للانحراف عن الخط المستقيم من أجل نتائج الحياة الدنيا ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
