ليدخل الإنسان في عملية مقارنة دقيقة بين ربح العاجلة وخسران الآجلة ، في ما يستعجله من نعيم الدنيا ، وينتظره من شقاء الآخرة ، وذلك هو قوله تعالى : (سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ) فإن هذه الأموال التي كنزوها ستتحوّل إلى أغلال في أعناقهم يطوّقون بها كما يطوّقون بالأغلال في الدنيا. وقد يكون التعبير استعارة أو كناية عن العذاب ، من خلال أن البخل ينطلق من حالة داخليّة يشعر الإنسان معها بما يشبه حالة المثقل بالقيود التي تمنعه عن الحركة في الاتجاه الذي يريده ، لأن الأفكار السلبية الداخليّة تتحوّل إلى قيد فكري أو نفسي يمنع الإنسان عن التحركات الخيّرة ليبقى محصورا في المجالات الضيّقة المحدودة.
ثم يثير القرآن في هذه الآية الفكرة الحاسمة أمام البخلاء : (وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) وهي أن هذا المال الذي تحافظون عليه وتحبسونه فلا تنفقونه ، لن يبقى لكم بل سوف تفارقونه ليبقى في الأرض من بعدكم ، لأن علاقتكم به ـ كعلاقة غيركم ـ هي علاقة طارئة تتحدد بحسب الدور العلمي الذي يمكنكم القيام به ، وذلك بأن تحرّكوه في المجالات التي أراد الله لكم أن تحركوه فيها ، في بناء الحياة والإنسان على أساس الخير الشامل ، لتبقى لكم نتائجه الطيّبة عند الله ، فبذلك يتحقق لكم ربحه ودوامه. أما إذا لم تقوموا بدوركم إزاءه ، وأهملتم أمره ، فسيفارقكم وتفارقونه ، وتبقى أمامكم تبعاته ونتائجه السلبيّة ، ويبقى الأمر كلّه لله في ما تشتمل عليه السماوات والأرض ، وما يقوم الناس به من أعمال لا يغيب عنها علمه فهو خبير بكل ما يعملون ، ليجزيهم بما عملوا من خير أو شر ...
* * *
مع رواية ابن عباس في تفسير الآية
وهناك رواية عن ابن عباس أن الآية نزلت في كتمان العلم الذي قام به
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
