الإيمان في أجواء المعاناة
لمّا كان الإيمان ـ في وعي الحقيقة القرآنية الإلهية ـ موقفا وليس كلمة ، كان من الطبيعي أن يحرّك المؤمنين إلى تجسيده في حياتهم العملية ، وذلك من خلال الظروف الصعبة ، والتحديات الشديدة ، والطرق الطويلة الضائعة ، التي تواجه مسيرتهم في ما يأخذون به وما يتركونه ، ليتميّز الطيّبون الذين يعيشون الإيمان فكرا وشعورا وحياة تشمل كل أوضاعهم وعلاقاتهم ، فيثبتون أمام المزالق ، ولا يسقطون أمام قسوة الظروف وتحدياتها ، ولا ينحرفون تحت تأثير الطرق الملتوية ؛ بل يبحثون عن الهدى في موقع الهدى ويسيرون عليه في اتجاه الخط المستقيم ، وبذلك يتبين الخط الخبيث في سلوك الخبيثين الذين قد يخادعون الناس في الحالات الرخيّة السهلة التي لا تكلّف الإنسان شيئا من تضحية أو جهد ، فيمكن له أن يتخذ لنفسه مظهرا يبتعد به عن الحقيقة المرعبة التي تختفي في داخله ؛ ولكنهم لا يستطيعون السير طويلا في خطة الخداع هذه ، لأن المواقف التي تضع الإنسان بين اختيارين ـ لا ثالث لهما ـ لا تترك المجال واسعا أمام اللاعبين ، بل تحدد لهم الساحة التي لا تسمح لهم باللعب فيها بحريّة ... وهكذا يجدون أنفسهم أمام الاختيار الصعب الذي يتحركون فيه من مواقع الخبث الداخلية في نفوسهم ، فينكشف الزيف ، وتتحرك المواقف في عملية فرز حقيقية ، ليميز الله من خلالها الخبيث من الطيب من حركة التجربة التي لا تترك مجالا للشك عند ما يتبدد الضباب أمام إشراقة النور المتفجر من قلب الشمس.
* * *
حكمة الله في كشف غيبه وكتمانه على المؤمنين
وربما كان يدور في عقول المؤمنين ، أن الله يعلم غيب الناس في ما
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
