يسرّون وفي ما يعلنون ، ويميز الخبيث من الطيب بما يعرفه من سرائرهم فلو أطلعهم على هذا الجانب من غيبه لوفّر عليهم عناء الدخول في التجربة الصعبة. ولكن الله يثير أمامهم القضية الحاسمة من سننه التي أخضع لها الأشياء ، فقد أجرى سنته في حياة الناس ، أن يسير بهم في أمورهم على أساس الأسباب الطبيعية في المعرفة ، فإذا أرادوا المعرفة فعليهم أن يبتغوا إليها الوسيلة من مصادرها الواقعية ، لأن لذلك صلة ووثيقة بالنموّ العقلي والعملي لشخصيتهم التي تعطيها التجربة والمعاناة انفتاحا كبيرا على الحياة ، فتلتقي المعرفة بالتجربة في وحدة ذاتية غنيّة بالعطاء. ولا سبيل إلى المعرفة الغيبيّة التي تنتظر النتائج من دون عناء ، لأنهم يخسرون الكثير من حياتهم في هذا المجال من خلال ما يفقدونه من الوسائل الواقعية للمعرفة. ولكن الله لا يحجب الغيب عن رسله الذين يجتبيهم ويختارهم من بين خلقه ليقودوا الناس إلى سواء السبيل ، فقد تمس الحاجة الرسالية إلى أن يكونوا على معرفة بما حولهم ومن حولهم من الناس والأشياء مما لا طريق لديهم إلى معرفته ، وذلك من أجل أن يدفعوا عن الرسالة شرّا ، أو يجلبوا لها خيرا ، من خلال التخطيط الواعي للحركة في امتداد الحياة ، مما قد يستدعي المعرفة الخفيّة بحقائق الأشياء.
* * *
أجر التقوى عظيم
وتنطلق الآية ـ من خلال هذه الحقيقة الإيمانية ـ لتدعو الناس المؤمنين إلى أن يعيشوا الإيمان كأعمق ما يكون ، فيتحول إلى تقوى ، ويتحركوا من التقوى في مواقفهم العمليّة ليعطيهم الله أجر التقوى المرتكزة على الإيمان. ولن يكون الأجر عاديا يشبه ما يأخذه الناس من أجر على أعمالهم ، بل هو الأجر العظيم الذي يحسب حساب العمل من موقع الإيمان الذي ينطلق مع النفس الطيّبة التي تعيش الآفاق الرحبة بين يدي الله.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
