(أَنَّى) : من أين وكيف ، وهي تستعمل في الحال والمكان ، ولذلك قيل : هو بمعنى أين وكيف لتضمنه معناهما ـ كما يقول الراغب (١) ـ.
* * *
أسلوب تربوي لتعميق المفاهيم
وتستمر الآيات لتعمّق المفاهيم الإسلامية في نفوس المسلمين من خلال معركة أحد ، لأن ذلك من أفضل الوسائل التي اتبعها القرآن في أسلوبه التربوي الذي يرتكز على ملاحقة التجربة ورصد خطواتها العملية ، والتعرف على ملامح الخطأ والصواب فيها ، لمعالجتها من الموقع نفسه ، ليلتقي المسلمون بالمفهوم في حركة الواقع عندهم ، كما هو الحال في هاتين الآيتين اللتين أشارتا إلى التساؤل المرير الذي كان المسلمون يطرحونه بعد الهزيمة : أنّى هذا؟ وكيف حدثت الهزيمة؟ ولماذا لم ينتصروا وهم جند الله الذين يقاتلون في سبيل الله؟ ولماذا لم ينصرهم الله؟ وكان هذا التساؤل مريرا مرارة الهزيمة. كانوا ينطلقون فيه من مفهوم خاطئ ، وهو أن الله يكفل للمسلمين النصر ، وللمؤمنين النجاح ، بعيدا عن كل الظروف الطبيعية التي تفرض النصر والهزيمة ، وذلك بأن يتدخّل الله بطريقة مباشرة ، بما يشبه المعجزة ، في آفاق الغيب ، كما أرسل الملائكة في بدر ليكونوا معهم في المعركة. ولكنهم لم يعرفوا المفهوم الصحيح الذي قرّره الله في كتابه ، فإن الله لم يتعهد للمؤمنين بالنصر والنجاح بطريقة غيبيّة ، بل تعهد لهم بذلك من خلال سننه الحتمية في الكون بالانطلاق إلى الهدف من وسائله ، وإلى المسبّبات من خلال أسبابها ، تماما كما هو الحال في الولادة والوفاة والرزق والغنى والفقر وغير ذلك من الأمور ... التي تخضع لتخطيط حكيم ينظم الواقع على أساس قانون السببيّة ، الذي قد يتمثل في الأسباب غير المألوفة أو غير المنتظرة.
__________________
(١) (م. س) ، ص : ٢٥.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
