وفي ضوء ذلك ، فإن المفهوم الذي يرتكز على أساس التدخل المباشر من قبل الله في النصر بعيدا عن أسبابه هو مفهوم خاطئ ، لأنه يعني أن الله يلغي سننه القائمة على مصلحة الحياة والإنسان ، لوضع طارئ في غير مصلحة الناس الذين يطلبونه لما في ذلك من انعكاس سلبي على حياتهم ، فإن المسلمين إذا استراحوا لفكرة النصر الغيبي استسلموا لحالات الاسترخاء والكسل ، وتركوا الجهاد ومهماته ، وأقبلوا على اللهو واللعب ، في حين لو تعاطوا مع النصر والهزيمة من موقع الأسباب الموجبة لهما ، من غير أن يتخلوا عن العمق الروحي للغيب في حياتهم ، بما هو مدد رئيسي من إمدادات الطاقة المعنوية التي ترفع درجة استعدادهم وطاقاتهم للبذل والتضحية ، لباتت قيمتهما في حياتهم ، بما يمثلانه من يقظة ووعي للواقع وانطلاقة جديدة للاستعداد الدائم لكل الأوضاع المستقبلية ، بتحضير مقدماتها وأسبابها الطبيعيّة ، سواء لتجاوز الهزيمة ، أو للظفر بالنصر.
* * *
المصيبة من فعل الإنسان
وهكذا انطلقت الآية لتؤكد المفهوم بالدخول في عملية مقارنة بين ما حدث في بدر وما حدث في أحد ، فقد استطاعوا أن ينتصروا في معركة بدر ويصيبوا المشركين بخسارة مضاعفة لهزيمتهم في أحد ، لأنهم قتلوا منهم سبعين وأسروا مثل هذا العدد ، بينما كانت خسارة المسلمين في أحد سبعين شهيدا. وليس ذلك إلّا لأنهم أخذوا بأسباب النصر هناك من خلال ما يتعلق بحالة الانضباط والاندفاع ومراقبة الله في حركتهم في المعركة ، مما جعل الجوّ الروحي معدّا لاستقبال اللطف الإلهي بالنصر. أمّا في أحد ، فقد استسلموا لأسباب الهزيمة ، فابتعدوا عن الله ، الذي لا يمنح الإنسان النصر من موقع الهزيمة ، كما لا يجعل الهزيمة في مواقع النصر ، لأن ذلك يسيء إلى سنن الله
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
