وهكذا يمكن لهم أن يجدوا فيه القدوة الحسنة من موقع بشريته في خصوصية الملامح الذاتية في محيطه ، فلا مشكلة ـ من الناحية النفسية ـ أن يلتقوا بفضائله الأخلاقية وممارساته الروحية ، من حيث هي جهد بشري يمكن للبشر أن يتمثلوه ويقتدوه ويأخذوا به في حياتهم ـ من ناحية المبدأ ـ لأن سموّه في نبوته لا يجعل عمله عملا غير خاضع للقدرة البشرية ، بل يجعل تطلعاته وآفاقه الروحية في الدرجة العليا من أجواء الخصوصيات الحية للعمل. ولو كان من نوع آخر ـ كالملائكة والجنّ ـ لكان لهم أن يعتذروا عن خط القدوة بأنهم لا يملكون القدرة على القيام بمثل عمله ، لأنهم لا يتميزون بالخصائص الكبرى التي تمنحهم القدرة على مثل هذا العمل أو ذاك.
* * *
دور الرسول البشر
فهو الرسول البشر الذي أنزل الله عليه وحيه حيث اصطفاه لإبلاغ رسالاته للناس في أمورهم العامة والخاصة ، وللقيام بالمهمّات المحددة في الارتفاع بهم إلى الدرجة العليا من الكمال البشري مما يمكن للبشر أن يبلغوه من درجات الكمال. وهكذا كان دوره : (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ) ليسمعوها ويتعلموها ويقرءوها ويتدبروها في وجدانهم العقلي وإحساسهم الروحي ، ليعرفوا حقائقها من خلال معرفتهم بخصائصها ، (وَيُزَكِّيهِمْ) فيطهّر نفوسهم من الرذائل الفكرية والروحية وينمّي قدراتها في مواقع المعرفة ليتخلصوا من رجس الجهل والتخلف ، ويسير بهم في خط الاستقامة التي تتوازن بها أعمالهم وأقوالهم وعلاقاتهم بالآخرين وبالحياة ، ليكون الرسول ـ في رسالته ـ إنسان التغيير الداخلي والخارجي للذين أقبلوا على رسالته في عملية إيمان وانفتحوا عليه في موقف التزام وتقوى ، (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ) الذي أنزله الله ليكون نورا يضيء لهم الطريق ، وهدى يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السّلام ، ويقودهم إلى الصراط المستقيم الذي
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
