السعادة في مصيرهم في الدنيا والآخرة ، وهذا هو المعنى الإيجابي للمنّ الذي ينفتح على معنى العطاء الإلهي لعباده في النعم التي يغدقها عليهم واللطف الذي يمنحهم إياه ، خلافا للمعنى السلبي للمنّ الذي يحصل من الناس الذين يقذفون لبعضهم البعض الخدمات في قضاء حاجاتهم وحلّ مشاكلهم ، فيعملون على استعظام ذلك بالقول وبالفعل تذكيرا لمن أنعموا عليه بما لهم عليه من فضل لإذلاله وتحقيره ، من حيث إنهم في موقع التفضل وهو في موقع الحاجة. أمّا التخصيص بالمؤمنين فلأنهم هم الذين ينتفعون بالرسالة ويهتدون بهداها ، ويحصلون على نتائجها ، أمّا الآخرون الذين شملتهم الرسالة في دعوتها ، وانفتحت عليهم في خطوطها ، فإنهم لا يعيشون الإحسان بهذه النعمة الكبرى ، ولا يتفهمون إيجابياتها في وجودهم الممتد من الدنيا إلى الآخرة ، مما لا يجعل للمنّ أثرا في شعورهم الإنساني الذي يستجيب في أحاسيسه بالنعم الموفورة له من صاحبها ، ولا سيما نعمة الهداية في مضمون الرسالة.
* * *
(إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً)
(إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي من النوع الإنساني الذي ينتمون إليه ، ومن النموذج البشري الذي يلتقي معهم في الفكر والإحساس والقدرة والتطلعات ، فلم يرسله الله من الملائكة ليشعروا بغربته عنهم واختلافهم عنه ، ولم يرسله من الجنّ الذين تبتعد طبائعهم عن طباعهم وأوضاعهم عن أوضاعهم ، بل أرسله بشرا مثلهم يتكلم كما يتكلمون ، ويتألم كما يتألمون ، ويفرح كما يفرحون ، ويأكل ويشرب ويلبس وينام ويتحرك كما يفعلون ذلك كله في حياتهم العامة والخاصة ، مما يجعلهم يألفونه ويشعرون بالقرب منه والانفتاح عليه ، كما يألفون بعضهم بعضا وينفتحون بإرادة القرب من بعضهم البعض في مواقع الإنسانية الحميمة المتعاونة.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
