(وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا) أي فظ اللسان والطباع ، خشن المعاملة ، سيّئ الخلق ، (غَلِيظَ الْقَلْبِ) في قسوة الإحساس الداخلي في خفقاته ونبضاته بالطريقة السلبية ، (لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) أي لتفرقوا عنك ، لأن الناس يبتعدون عن أي شخص يغلق قلبه عنهم ، ويقسو في المعاملة معهم ، ويضغط بالخلق السّيّء على مشاعرهم ، لأن النفس مجبولة على النفور ممن يسيء إليها ، كما هي مجبولة على حب من أحسن إليها. وهكذا كنت ـ يا محمد ـ تمثل الرسول القائد الذي ينطلق بروحية الرسالة وعفوية الإنسانية لاحتضان الناس الذين اتبعوه وعاشوا معه ، كوسيلة من وسائل تأكيد قوة الرسالة في جمهورها والتزام جمهورها بقيادتهم الحكيمة الحميمة.
* * *
المسلمون وعفو الرسول عنهم
ولا بد للرسول في الدعوة ، وللداعية في وعيه للعمل ، من أن يعيش الأجواء الواقعية للمسلمين في ما يقعون فيه من الأخطاء ، أو يتأثرون به من الانحرافات ، أو يخضعون له من الضغوط الخاصّة والعامة ، انطلاقا من حركة الصراع في داخل النفس التي قد تؤدي إلى الحق ، وقد تقع في قبضة الباطل ، وذلك بإفساح المجال لهم للتراجع عن الخطأ ، والاستقامة في مواقع الانحراف ، والرجوع إلى الحق في مواطن الباطل ... بالابتعاد عن الإيحاء الدائم بذلك كعقدة مستعصية غير قابلة للحلّ ، أو كجريمة غير خاضعة للعفو ، فلا بدّ من إعطاء المجال للعفو عن كل ذلك والمغفرة للفاعلين ، للإيحاء لهم بأنّ الخطيئة ليست ضريبة مفروضة على الإنسان ، وأنّ الانحراف ليس قدر الإنسان في حركته في الحياة ، بل يمكن له أن يتحرر من هذه أو ذاك في عمليّة تجديد الشخصية في خطة روحية فكرية عمليّة ، تحتوي كل أوضاع الإنسان في كل ما يقوله وما يفعله ، وهذا ما أراد الله سبحانه أن يثيره أمام رسوله : (فَاعْفُ
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
