على الأمر كله ، لتطردوها من نفوسكم ، فلا تسقطوا أمامها ولا تتأثروا بها بعيدا عن الخط الإيماني الشعوري والفكري والعملي ، و (لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا) بالله وابتعدوا عن وعي الحياة في كل أحداثها المتنوعة في حركة الآلام في واقع الإنسان في مسيرته في الدنيا ، من خلال تعقيداتها الكثيرة وتأثيراتها عليه ، فلم يتعمقوا في معناها من حيث ارتباطها بإرادة الله وقدرته وتخطيطه للنظام الكوني والإنساني في سننه في الكون والحياة والإنسان ، بل استغرقوا في الجانب الحسّي المحدود الذي يتطلع إلى الأمور من جانب واحد في الأفق الضيّق ، لا من جميع جوانبها في الأفق الواسع ، وهكذا واجهوا مسألة مصابهم بإخوانهم بهذا المنطق السطحي الانفعالي ، فتحدثوا (وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ) الذين يلتقون معهم في النسب أو في النوع والخصائص القريبة ، والمراد بقولهم لهم ، هو الحديث عنهم لأجل التعبير عن تمنياتهم لهم بالأخذ بأسباب السلامة والتنديد باقتحامهم أخطار السفر والحرب ، كما لو كانوا أحياء معهم (إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ) وسافروا فيها وابتعدوا في قطع المسافات الشاسعة للتجارة أو غيرها ، (أَوْ كانُوا غُزًّى) في ساحة المعركة الضارية ضد الأعداء ، (لَوْ كانُوا عِنْدَنا) مقيمين بيننا في حالة الدعة والأمن والاسترخاء والبعد عن مواقع الأخطار (ما ماتُوا وَما قُتِلُوا) لأن أسباب الحياة متوفرة لدينا ، وعوامل الخطر بعيدة عنّا ، ولذلك امتدت الحياة بنا بكل عناصرها ولذّاتها.
وهكذا كانوا يتحدثون بأسلوب المتمني اليائس الحزين الذي يتطلع إلى الأحداث من مواقع انفعاله لا من موقع تفكيره ، ليوجه مشاعره نحو السقوط العاطفي فيتحول ذلك إلى حالة قريبة من اليأس (لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ) يجترونها في أحاديثهم الانفعالية. واللام هنا للعاقبة ، أي لتكون عاقبة ذلك الحسرة النفسية بدلا من الطمأنينة الروحية في مواجهة البلاء على أسلوب قوله تعالى : (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) [القصص : ٨].
وفي هذا تحذير للمسلمين أن لا يقولوا مثل هذا القول ، ولا يفكروا بهذه الطريقة ، لأنها تبتعد بالإنسان المؤمن عن عقيدته ، وتملأ بالحسرة نفسه ، فيسقط
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
