وهناك ملاحظة تفسيرية للعلّامة الطباطبائي في «الميزان» جديرة بالاهتمام ، وهي متعلقة بالمقارنة بين قوله تعالى في هذه الآية : (وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) وبين قوله : (وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ) وذلك بالتأكيد على أن العفو المذكور في الآية الأولى هو غيره المذكور في الآية الثانية ، قال : «ومن الدليل على اختلاف العفوين ما في الآيتين من اختلاف اللحن ، ففرق واضح بين قوله تعالى : (وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) ثم ذكر إثابتهم غمّا بغم لكيلا يحزنوا ، ثم إنزاله عليهم أمنة نعاسا ، وبين قوله تعالى : (وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) حيث ذكر العفو وسكت عن جميع ما أكرم الطائفة الأولى به ، ثم ختم الكلام بذكر حلمه ، وهو أن لا يعجل في العقوبة ، والعفو الذي مع الحلم إغماض مع استبطان سخط.
فإن قلت : إنما سوّى بين الطائفتين من سوى بينهما لمكان ورود العفو عنهما جميعا.
قلت : معنى العفو مختلف في الموردين بحسب المصداق ، وإن صدق على الجميع مفهوم العفو على حدّ سواء ، ولا دليل على كون العفو والمغفرة وما يشابههما في جميع الموارد سنخا واحدا ، وقد بينّا وجه الاختلاف» (١).
ونلاحظ على ما ذكره ، أن اختلاف النقاط التي أحاطت بكلمة العفو في الموردين لا يعني اختلاف كلمتي العفو في المصداق ، بل كل ما يوحي به ذلك اختلاف الحديث عن صفة العفو في طبيعته الواحدة وحركته الواقعية في صفة الله التي تلتقي به ، فالله ذو فضل على المؤمنين عند ما يعفو عنهم في كل موارد العفو بعد استحقاقهم للمؤاخذة من خلال ذنوبهم ، وهو الحليم بهم والغفور لهم الذي يتسع حلمه في خط المغفرة ، وهكذا يكون الحلم في موقع الفضل ، كما يكون الفضل مظهرا للحلم ، فهما عنوانان ينطبقان على مصداق واحد.
أما مسألة ذكر الإكرام هناك وإغفاله هنا ، فهو أمر آخر يضاف إلى العفو
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ٤ ، ص : ٥٣.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
