الحدّ الذي يجب على الإنسان أن يقف عنده في علاقته بالله ، ولا تختص بما كان مرتبطا بالعرض ، لأن الآية واردة في ما هو أشمل من ذلك ، كما أن ذلك هو المراد من ظلم الإنسان نفسه ، فإن المعصية تمثّل ظلما للنفس في ما تستتبعه من سلبيّات في الحياة الدنيا وعقوبات في الآخرة ...
وتشير الآية إلى هؤلاء الذين يتصفون بهذه الصفات التي تمثّل سعة الأفق ورحابة الصدر وعمق العاطفة الإنسانية ، وعظمة الشعور بالمسؤولية وقوّة الإرادة وامتداد الصلة الروحيّة في علاقتهم بالله وابتعادهم عن الإصرار على المعصية ، وانسجامهم مع الخطّ العملي للطاعة (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) ؛ ثم تفيض في تصوير الجزاء الأوفى الذي ينالونه عند الله (أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) كنتيجة لما قدّموه بين أيديهم من أعمال ، (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ).
* * *
من وحي الآيات
ونستوحي من هذه الآيات ، أن عظمة الشخصية الإنسانية هي في امتزاج الجوانب الإنسانية والعملية والروحية ببعضها البعض ، لتمثل التوازن في حركة الشخصية وفاعليتها في الحياة ، بعيدا عن فكرة الجانب الواحد الذي قد يرى فيه بعض الناس مظهرا حيّا من مظاهر التقييم ، كما نلاحظ في النماذج التي تتميّز بالروحية في العبادة إلى مستوى الفناء والذوبان في محبّة الله ، ولكنها تتميّز ـ في الجانب السلبي ـ بالقسوة في المعاملة والعلاقة ، أو بالبخل في جانب العطاء ، أو بالانفتاح على المعاصي مع الإصرار ، أو بالانحرافات الاجتماعية في نطاق الكلمة والفعل والأسلوب ... فإن ذلك الارتباك في طبيعة هذه الصفات يدلّ على وجود خلل في عمق الصفة الواحدة المتميّزة وابتعادها عن الأجواء الرحبة الطاهرة ، ذلك كلّه في نطاق الأوضاع الإسلامية السليمة ...
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
