يتعامل مع العنف ، بل يتعامل مع الرفق واللين ، ولا يندفع في اتجاه تعقيد المشاكل بل يعمل على حلّها مهما أمكن ، ذلك هو السبيل الذي يجعل من العفو حالة واعية واقعية بدلا من أن تكون حالة مزاجية طارئة لا ترتكز على أساس من وعي وفكر وإيمان.
٤ ـ (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) قد تكون هذه صفة رابعة توحي بأن العفو وحده لا يكفي في إزالة النتائج السلبيّة إزاء الحالة النفسية التي أوجدها الغيظ ، فلا بدّ من الإحسان لتتحوّل السلبيّات إلى إيجابيات ... وهذا ما يمكن أن تعبر عنه القصة المرويّة في سيرة الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليهالسلام الذي كانت إحدى جواريه تصب الماء من الإبريق على يده ، فسقط على رأسه فشجّه فقالت له : (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ) ، فقال : قد كظمت غيظي ، فأردفت : (وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ) ، فقال : قد عفوت عنك ، فقالت : (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ، فقال : اذهبي فأنت حرّة لوجه الله.
٥ ـ أمّا الصفة الأخيرة فقد حدثنا الله عنها في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ) وهي تتصل بعمق الصلة الروحية بالله ، مما يجعل من الأخطاء الطارئة التي يفعلها الإنسان في معصيته لله ، مجرد حدث عابر لا يمتد في حياته ولا يستمر ، بل يتحوّل إلى ندم عميق يبعث في النفس حالة الخشوع التي تدفع إلى الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله ، لأن الإصرار على الذنب لا يتناسب مع الإخلاص لله والسير على خطه المستقيم ، فإن معناه الإيحائي يتمثل في اللّامبالاة النفسية والعملية برضى الله وغضبه ، مما يعني ضعفا في الإيمان ، ونقصا في الروحية ... وقد أكّدت الآية بطريقة الجملة الاعتراضية ، أن الله يغفر الذنوب التي يتوب منها الإنسان ، بينما لا يواجه هذا الإنسان في حياته العامّة مثل هذا الفيض السمح من المغفرة لدى الآخرين في ما إذا عاش بعض الأخطاء في حياته العامّة أو الخاصّة.
والظاهر أن المراد بالفاحشة في الآية مطلق المعصية التي تمثل تجاوز
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
