السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) فهل ذلك ثابت في حالة ضمّ بعضها إلى بعض ، أم أن ذلك كناية عن السعة ، من دون أن يكون فيه نوع من الدقة في التحديد ، أم أن هناك وجها آخر غير ذلك ...؟ ربّما كان الأقرب أنها واردة مورد الكناية عن السعة ، لأنّ السياق لا يقتضي أكثر من ذلك ، بل يوحي بشيء من هذا القبيل ، ومع ذلك فإن تحقيق هذا غير مهم من ناحية الفكرة العامّة للآية ، وهي التركيز على الصفات المميّزة للمتقين الذين أعدّت لهم هذه الجنّة ، وهي صفات خمس ثلاث منها تتصل بطبيعة حركة العلاقات الاجتماعية التي تربط المتقين بالناس في حيويّة الممارسة وإنسانيتها وطهارتها وفاعليتها ، وذلك هو قوله تعالى : (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) ، وتفصيل الموضوع في هذه الصفات في عدة نقاط :
١ ـ (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) الإنفاق على الناس في حالتي الشدة والرخاء ، مما يعني أنّ هذا الإنفاق ليس حالة طارئة في ذات التقي ، يختص بأريحية الإنسان في حالات الرخاء ، بل هو حالة أصيلة تحرّك الإنسان نحو العطاء حتى في أشدّ حالات الضيق والضرّ.
٢ ـ (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ) الذي يعبّر عن الإرادة القويّة التي يواجه بها الإنسان حالات الانفعال التي تدفعه إلى الاندفاع في تفجير الغيظ الذي تمتلئ به نفسه تجاه الآخرين ، فلا يسمح لها بأن تجرّه إلى ذلك ممّا لا تحمد عقباه ، بل يحاول أن يحبس غيظه في صدره.
٣ ـ (وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ) الذي يمثل الروح المتسامحة الطبيعة التي لا تنطلق من عقدة نفسية داخليّة عند ما تكظم غيظها ، بل تعمل على التخلص من كل أجواء الغيظ بتفريغ النفس من كل الحالات السلبيّة التي تثيره وتعقّده ، وذلك بأن يتلمس أسباب العفو في دراسته للنقص الذي ركّب في الإنسان ، أو للظروف الداخلية أو الخارجية التي دفعته نحو الخطأ ، أو بغير ذلك مما يوحي بالأسباب التخفيفيّة الباعثة على العفو عنه ، واعتبار كأن الخطأ لم يكن ، في كل سلبياته الذاتية ، وهذا ما يجعل من الأمر بالصبر وكظم الغيظ وسيلة للتهدئة والتبريد الداخلي ، من أجل دفع الإنسان إلى التفكير الهادىء المتّزن الذي لا
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
