الأمر لله والشفاعة للرسل
(لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) في مصير هؤلاء الناس الذين حاربوك لتحدد ـ أنت ـ ذلك بطريقتك الخاصة ، لأن الله لم يجعل للأنبياء ذلك إلا في دائرة خاصة من خلال وسيلة الدعاء تارة والشفاعة أخرى ، فهما يتحركان من خلال ما حدّده الله لك من منهج ومواقع ، فليس لك أن تشفع إلا لمن ارتضى أو تدعو إلّا لمن يريد الله لك أن تدعو له ، ويبقى الأمر لله أن يعذبهم إن شاء أو يتوب عليهم ويغفر لهم إذا أراد ، (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) انطلاقا من حكمته العميقة الشاملة في العذاب والمغفرة اللذين لا ينطلقان من حالة طارئة أو الخضوع لضغط معين كما هو عند الناس ، بل ينطلقان من السنّة الإلهية من موقع الحكمة في ذلك كله ، فله أن يغفر لهم يتوب عليهم ، وله أن يعذبهم ، (فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ) يستحقون العذاب ، كما يمكن أن تنالهم المغفرة عند توفر عناصرها فيهم من خلال إنابتهم إلى الله وعودتهم إليه.
(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) فله الكلمة العليا في شؤون مخلوقاته ، وله الإرادة الحاسمة الفاعلة في مصيرهم في الدار الآخرة ، لأنه يملك الأمر كله في الدنيا والآخرة ، (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ) المغفرة له (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) عذابه ، (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فقد سبقت رحمته غضبه ، فيبقى الأمل لكل المذنبين في التعلق برحمته ليستريحوا في ساحة غفرانه ، ولا مجال لليأس من ذلك كله ، ولكن المسألة تبقى متحركة بين الخوف والرجاء ، لا سيما أن الله لم يعين مواقع المغفرة والعذاب. وقد قيل : إنّما علّق الغفران والعذاب بالمشيئة ، لأن المشيئة مطابقة للحكمة ، فلا يشاء إلا ما تقتضي الحكمة مشيئة. وسئل بعضهم : كيف يعذب الله عباده بالإجرام مع سعة رحمته؟ فقال : رحمته لا تغلب حكمته ، إذ لا تكون رحمته برقة القلب كما تكون الرحمة منا (١).
* * *
__________________
(١) مجمع البيان ، ج : ٢ ، ص : ٨٣٣.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
