الرسول جندي خاضع لله
لقد عالجت هاتان الآيتان دور النبيّ في الشؤون العامّة من قضايا الحرب والقتال ، فليس هو قائدا يتصرف بمزاج القائد الذي يملك الأمر كله فيعفو عند ما تدفعه نوازعه الذاتية إلى العفو ، ويعاقب ويعذب عند ما يوحي إليه مزاجه بذلك ، بل هو رسول ينذر ويبشر ، وجنديّ لله في ما يأمره به وينهاه عنه ، فإذا انطلق في حياته من خلال الدور القيادي ، فإنه يتسلم خطّة القيادة من ربّه في ما يشرعه الله له من أحكام ، وما يخطط له من خطط. فهو القائد الذي يتحرك من خلال دور الجندية الخاضعة للقيادة العليا ...
وفي ضوء ذلك ، لا بدّ للمسلمين من أن يفهموا المسألة من هذا المنطلق الذي يوحي بأن الرسول لا يملك أمر التصرف من ناحية ذاتيّة ليمكن لهم أن يقدّموا إليه اقتراحات العفو من حيث يريدون العفو لبعض الأسرى ، أو يحاوروه في موضوع العذاب من حيث يريدون العذاب لبعض آخر ، بل كلّ ما هناك أنه يتلقى الأمر من الله ـ ربّه وربّ العالمين ـ فيصدر العفو عند ما يقرر الله العفو عن إنسان ما ، ويقرر العذاب عند ما يقرر الله له ذلك ، لأنهم ظالمون يستحقون كلّ ألوان العذاب بسبب ظلمهم وتمردهم وطغيانهم ... وتأتي الآية الثانية لتقرّر مبدأ رجوع كل شيء إلى الله ، لأنه مالك لكل ما في السموات وما في الأرض ، فيغفر لمن يشاء في الدنيا والآخرة ، ويعذب من يشاء في الدنيا والآخرة ... وقد سبقت رحمته غضبه ، فإنه الغفور الرحيم الذي لا ينسى أحدا من غفرانه ورحمته.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
